كتب : عبدالعزيز يعقوب
أميلكار كابرال ليس مجرد اسم في سجل التاريخ، بل هو شعلة حية ألهمت أجيالاً من المناضلين في إفريقيا والعالم.
هو صوت الفلاح البسيط، وعقل المفكر الثوري، وقلب القائد الذي جمع بين الحلم بالحرية والإصرار على انتزاعها من براثن الاستعمار.
لقد كان كابرال مثالاً للإنسان الذي لا يرضى بالظلم، والذي أدرك أن الكلمة وحدها لا تكفي، وأن الحرية تُنتزع بالتنظيم، بالتضحية، وبالإيمان العميق بحق الشعوب في تقرير مصيرها
مقدمة
أميلكار كابرال يعتبر أحد أبرز قادة حركات التحرر في إفريقيا خلال القرن العشرين. لم يكن مجرد قائد سياسي أو عسكري، بل مفكرًا ثوريًا جمع بين العلم والفكر والتنظيم الاجتماعي لبناء حركة وطنية شاملة. من أبرز إنجازاته تأسيس الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا بيساو والرأس الأخضر (PAIGC) عام 1956، الذي شكل العمود الفقري لنضال شعوب المستعمرات البرتغالية.
الحياة المبكرة والتعليم
الميلاد والخلفية العائلية
وُلد أميلكار لوبيس كابرال في 12 سبتمبر 1924 بمدينة بافاتـا في غينيا البرتغالية (حالياً غينيا بيساو) لعائلة من الرأس الأخضر. والده جوفينال كابرال كان معلماً ومن عائلة لها بعض الملكيات، بينما والدته إيفا بينهيل إيفورا كانت تعمل في التجارة والفندقة وتولت إعالة الأسرة بعد انفصالها عن والده.
– ينتمي كابرال إلى مجتمع البالانتا في غينيا، وهو مجتمع عرف بتنظيمه الأفقي قبل الاستعمار، ما شكّل لاحقًا رؤيته لبناء حزب يربط بين القواعد الشعبية والقيادة الوطنية و تربى في بيئة تشجع التعليم والثقافة، ما ساعده على تطوير وعي سياسي مبكر وفكر ثوري متعمق.
الطفولة والتعليم المبكر
في سن الثامنة تقريبًا انتقلت الأسرة إلى الرأس الأخضر، حيث أتم أميلكار دراسته الابتدائية في جزيرة سانتياغو، ثم التحق بثانوية ليسيو جيل إيانيش في مينديلو – ساو فيسنتي، وتخرج حوالي عام 1943 أو 1944، وعُرف بتفوقه ونشاطه الثقافي، حيث كتب الشعر وشارك في الجمعيات الطلابية وأدار برامج إذاعية محلية ، وخلال هذه المرحلة بدأ يكوّن وعيًا سياسيًا أوليًا من خلال قراءاته حول الاستعمار، القومية الإفريقية، وفلسفات العدالة الاجتماعية.
الدراسة الجامعية في لشبونة
في عام 1945 حصل كابرال على منحة لدراسة الهندسة الزراعية في المعهد العالي للزراعة في لشبونة. هناك شارك في تأسيس مركز الدراسات الإفريقية، وانخرط في الحركات الطلابية المناهضة للفاشية، وتعرف على شبكات من القادة الوطنيين من الرأس الأخضر وأنغولا وموزمبيق. تخرج كمهندس زراعي حوالي عام 1950–1952 كذلك استفاد من الدراسة لبناء شبكة علاقات قوية مع الطلاب الوطنيين، والتي ساعدته لاحقًا على تأسيس شبكة الحزب داخل وخارج غينيا ، حيث تعرف على أفكار ماركسية وثورية، لكنه دمجها مع فكر قومي أفريقي يؤكد أن التحرر الوطني لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية.
البدايات المهنية والوعي السياسي
بعد التخرج عاد كابرال إلى غينيا البرتغالية عام 1952 كمهندس زراعي في الإدارة الاستعمارية، وعُين في محطة تجريبية زراعية ، وقاد تعداداً زراعياً شاملاً عام 1953، زار خلاله القرى النائية، والتقى بالزعماء المحليين والفلاحين، ولاحظ التفاوت الكبير بين الطبقات الاجتماعية تحت الاستعمار.
وساعدته هذه التجربة على تحديد القواعد الشعبية الممكن تنظيمها سياسياً وفهم أن الاستقلال السياسي لا يتحقق إلا بتنظيم المجتمع المحلي لجهة تعرض للفصل من عمله حوالي عام 1955 بسبب نشاطه الوطني، وانتقل بعدها إلى أنغولا لدعم الحركات التحررية هناك.
بدايات النضال السياسي والميداني
منذ الدراسة الجامعية، شارك كابرال في الحركات الطلابية المناهضة للفاشية، وعمل على نشر الوعي القومي بين الطلاب الأفارقة وبعد العودة إلى غينيا، بدأ في العمل الميداني المباشر مع الفلاحين والزعماء المحليين، مستخدمًا خبرته الزراعية لفهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
وأدرك كابرال أن العمل الفردي أو الاحتجاج السلمي وحده لن يكفي، وأن التنظيم السياسي الشامل هو السبيل لتحقيق التحرر وبدأ في بناء شبكة خلايا سرية في المدن والقرى، تركز على التثقيف السياسي واستقطاب الشباب والفلاحين، مع تطوير فكرة الكفاح المسلح كنتيجة للاضطهاد البرتغالي.
تأسيس الحزب الإفريقي لاستقلال غينيا بيساو والرأس الأخضر (PAIGC)
السياق التاريخي
كانت البرتغال في خمسينيات القرن العشرين تحكم مستعمراتها بسياسة قمعية صارمة، متمسكة بفكرة “الأمة البرتغالية” المترابطة. في المقابل، بدأت حركات التحرر الوطني تظهر في إفريقيا، مثل استقلال غانا عام 1957، ما ألهم كابرال وزملاءه.
الاجتماع التأسيسي وأهداف الحزب
عام 1956، أعلن كابرال مع المؤسسين تأسيس PAIGC في اجتماع سري بمدينة بيساو.
– أهداف الحزب:
1. تنظيم الشعب في الريف والمدن على أسس وطنية لا قبلية.
2. بناء قاعدة شعبية واسعة من الفلاحين.
3. التركيز أولاً على النضال السلمي والتوعية السياسية.
4. الاستعداد للكفاح المسلح إذا فشل العمل السلمي.
5. تعزيز التضامن بين شعبي غينيا بيساو والرأس الأخضر.
المؤسسون الأوائل ودورهم
1. أميلكار كابرال: القائد الفكري والاستراتيجي للحزب.
2. رافائيل باربوسا: ناشط سياسي ونقابي، ركز على الطبقة العاملة.
3. أرسينيو فييرا: نظم الخلايا الشعبية وربط المثقفين بالقواعد الشعبية.
4. لويز كابرال: شقيق أميلكار، نظم الحزب داخليًا ولعب دورًا لاحقًا بعد الاستقلال.
5. أخيلينو باربوسا دا سيلفا وهنريكو فييرا: ممثلون للرأس الأخضر ساعدوا على توسيع نشاط الحزب بين الجزيرتين.
دلالات تأسيس PAIGC
– تأسيس الحزب كان نتيجة مسار طويل من الخبرة الزراعية، التجربة الميدانية، والتأثر بحركات التحرر الإفريقية وجسد الحزب رؤية كابرال في أن الاستقلال السياسي لا قيمة له بدون عدالة اجتماعية ، حيث ركز على تحرير الفلاحين كأساس للثورة، وبنى شبكة تنظيمية شاملة تجاوزت الانقسامات القبلية والإقليمية.
– أصبح PAIGC القوة الأساسية التي قادت إلى استقلال غينيا بيساو (1973/1974) والرأس الأخضر (1975).
المصادر
1. موسوعة بريتانيكا: https://www.britannica.com/biography/Amilcar-Lopes-Cabral
2. ويكيبيديا (النسخة الإنجليزية): https://en.wikipedia.org/wiki/Am%C3%ADlcar_Cabral
3. BlackPast: https://www.blackpast.org/global-african-history/cabral-amilcar-lopes-1924-1973/
4. Tricontinental: https://thetricontinental.org/studies-1-national-liberation-paigc-education/
5. Jacobin: https://jacobin.com/2022/12/guinea-bissau-liberation-struggle-amilcar-cabral-west-africa-anti-colonialism
6. Marxists.org PDF: https://www.marxists.org/subject/africa/cabral/cabral-bio.pdf
7. Hurst Publishers: https://www.hurstpublishers.com/book/amilcar-cabral-2/
8. Liberation School: https://www.liberationschool.org/amilcar-cabral-liberator-theorist-educator/
9. Oxford Research Encyclopedias: https://oxfordre.com/africanhistory/display/10.1093/acrefore/9780190277734.001.0001/acrefore-9780190277734-e-788
10. مؤسسة أميلكار كابرال – MEAP: https://meap.library.ucla.edu/projects/revolutionary-legacies/
خاتمة
لقد أثبت أميلكار كابرال أن الثورة ليست مجرد بندقية تُحمل، بل هي وعي يزرع في عقول الناس وإرادة تترسخ في قلوبهم.
علّم شعبه أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بتحرير الأرض والإنسان معًا.
كابرال لم يكن شهيد غينيا بيساو والرأس الأخضر وحدهما، بل شهيد إفريقيا والعالم الثالث، ورمز لكل مناضل يرفض الاستسلام لقيود الاستعمار والظلم.
وصوته ما زال يتردد: “لتكن لدينا شجاعة أن نحلم، وشجاعة أكبر أن نجعل من الحلم واقعًا”.

