كتب / محمد عثمان جبريل
تتجه الولايات المتحدة نحو الانسحاب من نحو 66 منظمة تابعة للأمم المتحدة، بذريعة أنها لم تعد تخدم مصالحها. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هي هذه المصالح؟ وهل كانت هذه المؤسسات، طوال العقود الماضية، سوى أدوات صُمِّمت لتخدم المصالح الأمريكية عبر تقارير ودراسات وأرقام وقرارات جرى توظيفها بعناية لتبرير سياساتها وتكريس نفوذها الدولي؟
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد خطوة إدارية أو إعادة تموضع سياسي، بل هو تعبير صريح عن انهيار أخلاقي عالمي، حيث تراجعت القيم الإنسانية أمام منطق المنفعة الصرفة. فقد ظلّت الولايات المتحدة، طوال عقود، ممسكَة بمفاصل القرار الدولي، ليس فقط بقوتها السياسية والعسكرية، بل بتمويلها الذي يصل إلى نحو 22% من ميزانية الأمم المتحدة، وهو ما أتاح لها فرض أن يكون مقر المنظمة على أراضيها، وضمان أن تتولى مواقع مالية حساسة داخلها شخصيات قادمة من المنظومة الأمريكية، بما مكّنها من التأثير العميق في مسار السياسات والقرارات الدولية.
هذا الانسحاب – إن تمّ – ستكون له آثار مباشرة وقاسية على عدد كبير من الشعوب، خاصة في الدول التي تعتمد اعتمادًا شبه كامل على المساعدات الإنسانية. وفي مقدمة هذه الدول تأتي دول إفريقية هشة مثل جنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى، حيث يشكّل الوجود الدولي مصدرًا أساسيًا لتمويل قطاعات حيوية كالصحة والغذاء والتعليم. كما أن بعثات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أصبحت، في كثير من الأحيان، جزءًا من بنية الدولة نفسها، بل وبديلًا غير معلن لمؤسساتها السيادية، الأمر الذي يجعل أي انسحاب مفاجئ بمثابة صدمة إنسانية واقتصادية وأمنية في المدى القصير.
غير أن الصورة لا تقف عند حدود الأثر الآني فقط. فعلى المدى البعيد، قد يحمل هذا التحول وجهًا آخر مختلفًا، إذ قد تُدفَع هذه الشعوب والدول إلى إعادة النظر في نموذج “الدولة المعتمدة”، والاتجاه نحو الاعتماد على الذات، وتطوير إمكانياتها المحلية، وبناء اقتصاد إنتاجي يستند إلى الموارد الوطنية لا إلى المعونات المشروطة. كما أن تراجع دور الأجسام الدولية المُسيّسة قد يسهم في تقليص كثير من الصراعات التي طالما جرى تمويلها وإدارتها من الخارج تحت لافتة “العمل الإنساني” أو “حفظ السلام”.
لقد أثبتت التجربة أن عددًا كبيرًا من النزاعات في إفريقيا طال أمده بسبب التدخلات الخارجية التي لم تعالج جذور الأزمات بقدر ما أدارتها بما يخدم مصالح الممولين. ومن هنا، فإن تقليص هذا التدخل، رغم كلفته الإنسانية المؤلمة في البداية، قد يفتح المجال أمام استعادة القرار السيادي، وبناء مؤسسات وطنية حقيقية، وتعزيز التكامل الإقليمي بين الدول الإفريقية بعيدًا عن الوصاية الدولية.
إن العالم اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم: إما الاستمرار في نظام دولي تُدار فيه القيم بميزان القوة والمصلحة، أو الدفع نحو نظام أكثر توازنًا وعدالة، تُبنى فيه السيادة على الإنتاج والاستقلال لا على الارتهان للمساعدات. وفي كل الأحوال، فإن انسحاب الولايات المتحدة، مهما كانت مبرراته، يكشف حقيقة طالما جرى تجاهلها: أن كثيرًا من المؤسسات الدولية لم تكن يومًا محايدة، وحين لم تعد تخدم اللاعب الأكبر، قرر ببساطة الانسحاب من الطاولة، تاركًا العالم يواجه نتائج نظامٍ صُمِّم أساسًا على مقاس المصالح لا المبادئ.

