بقلم عثمان نواى
فى تعليق لطيف لإحدى السيدات على بوست لسيدة أخرى تشكي من ان مولودها الجديد لونه اسود غامق، بينما هى لونها فاتح كما تظهر صورتها، قالت المعلقة ” ابنك الإصدار القديم قبل الفسخ.” او بالأحرى هو الإصدار الأصلى، بينما الام هى الإصدار المزيف، والحقيقة هى ان الطفل المولود إنما يذكر الام بولنها الحقيقي الذى تساقط مع الطبقات التى ” فسختها عن جلدها” لكى تصبح نظيفة كما يصطلح الكثيرون من ممارسي الفسخ الذى لم يعد حكرا على النساء في السودان، فهناك رجال وشباب أيضا يجلخون ويفسخون، لذلك لا يجب ان يكون انتقاد الفسخ ذريعة للتقليل من النساء.
والحقيقة ان موضوع الفسخ والجلخ يذهب إلى أعماق اكبر فى الشخصية السودانية من مجرد طبقات الجلد السطحية. فهو احد اكثر تجليات أزمة الشخصية والهوية السودانية وضوحا على الإطلاق. فقد أصبح مصطلح ” الوسخ” يعنى اللون الاسود او الغامق، وهو ما يستوجب ازالته اى الوسخ او اللون الاسود . وهذه الموجة العارمة من تقديس البياض، هى فى الحقيقة ليست نتيجة للأفلام والتلفزيون والانترنت فقط كما يعتقد البعض، بل انها تذهب بعيدا الى التعبير عن رغبة عميقة لدى كثير من السودانيين والسودانيات فى الشعور بالمساواة مع الآخرين من أصحاب البشرة البيضاء او الفاتحة، وتلك المساواة لها مستويات عدة، تبدأ من أبواب شخصية تتعلق بالمساواة فى فرص الزواج، وصولا الى الفرصة فى الحصول على العمل والفرص فى القبول فى الجامعات والاندماج داخل بعض المجتمعات داخل السودان او خارجه أيضا ، اى القدرة على الترقي الاجتماعى وتحقيق الذات والأحلام فى مجتمع تحكمه مقاييس تضع أصحاب البشرة الفاتحة فى مقدمة القائمة للحصول والوصول الى ما يريدون سواءا كانت تلك الارادات والأحلام صغيرة او كبيرة، مادية او عاطفية او مهنية او حتى سياسية.
وعلى أبواب الأحلام المحطمة، يشكل الفسخ والجلخ ليس فقط وسيلة للتجميل، ولكنه عملية معقدة مرتبطة بصناعة الامل في الترقى الاجتماعى فى السودان. فمن قنوات التلفزيون وحتى ابسط محلات البيع والشراء، فان مقاييس التعيين الوظيفى أصبحت مرتبطة بدرجة اللون وليس الدرجة العلمية فقط. ولذلك فإن الاستثمار الكبير لكثير من الفتيات والنساء فى منتجات الفسخ والجلخ التى تكلف آلاف الجنيهات، هى استثمار حقيقي واقعى وليس وهمى. بل هو وسيلة حقيقية للحصول على عمل او الحفاظ عليه. ولذلك فإن الفسخ والجلخ لا يرتبط فقط بخيارات شخصية، بل هو يعد احيانا ضرورة حياتية، وهذا امر غاية فى الخطورة، ويعبر عن أزمة كبيرة في المساواة على اساس اللون فى السودان بشكل عام.
على الجانب الآخر فان مسألة مقاييس الجمال المرتبطة بالبياض، لا تعبر عن هوس طارئ، بقدر ما انها مقاييس قديمة فى المجتمع السودانى مرتبطة بتاريخ طويل من التمييز تجاه المجموعات ذات اللون الداكن او الأسود فى السودان. والفسخ والجلخ هو الحقيقة عبارة عن إيجاد شبه حلول جديدة لأزمات قديمة. حيث أصبحت الحلول ممكنة بسبب المنتجات الطبية والتجميلية الحديثة، رغم خطورتها وعدم أمانها. فقد وفرت هذه المنتجات فرصة للوصول لذات اللون الذى كان البعض يظنون انهم قد خصتهم به الطبيعة، وبالتالى اتخذوه ذريعة ليمارسوا قدر من التمييز او التعالى على الآخرين وحصر كثير من الفرص فى ايديهم. مع وجود أدوات الفسخ والجلخ، تحطمت الان أسطورة اللون الحصري مؤقتا ، ولكن تبقي أساطير أخرى للتمييز واحتكار الفرص لازالت قائمة وليس هذا المجال لمناقشتها.
والحقيقة ان الإشكالية الكبرى فى الفسخ والجلخ، هو الاستهتار بأسباب وجوده وعدم تفهم منطلقات الهوس به، وهذا الاستهتار هو الذى يهزم اى محاولات لإنهاء هذه الممارسة الخطيرة على الصحة الجسدية والنفسية أيضا. فعلى خطوط درجات اللون يتقسم المجتمع السودانى منذ زمن طويل، ولكن الآن يفرض الفسخ والجلخ معايير جديدة لا تلغى اللون، ولكنها تحيده لفترة مؤقتة ، وبالتالى فان هذا الفسخ المؤلم والمكلف لطبقات الجلد هو دليل اخر على تفسخ الكرامة الإنسانية فى مجتمع يضطر فيه البعض الى نزع جلودهم وجلودهن لكى يشعروا بالتقبل وشئ من المساواة وبصيص امل فى المستقبل الأفضل. ولعمرى ان هذا لواقع مؤلم ولكنه معبر أيضا عن حقيقة التشظى الذى يحطم انسانية كثير من السودانيين ويجبرهم على التخفى خلف الجلخات لكى يكونوا جزء من مجتمع يلفظ حقيقتهم ولكنه على اتم الاستعداد على ان يقبل الوانهم المؤقتة وهويتهم الزائفة بينما يتاجر بصحتهم فى قطاع تجارى يقدر بالمليارات. ويعطيهم صكا زائفا بمساواة مؤقتة أيضا ولكنها عالية الكلفة ماديا وصحيا ونفسيا.
ولن يكون الخروج ممكنا من أزمة المساواة المؤقتة عبر الفسخ والجلخ الا عبر تحقيق المساواة الحقيقية والكاملة. عبر إعادة النظر بشكل جاد فى كيفية تشكيل ثقافة مجتمعية تواجه مشكلات التمييز وتدينها وتحصن المجتمع والأفراد عبر القوانين وإعادة توزيع الفرص وتوسيع أبواب المشاركة فى الإعلام والتعليم والثقافة لكل مكونات السودان اللونية واستعادة الثقة فى قدرة الجميع مهما كان لونهم فى تحقيق أحلامهم دون أهمية للونهم. وعكس ذلك بشكل مُلزِم وصارم فى كل مؤسسات الدولة. هذا إضافة الى اتخاذ إجراءات قانونية رادعة تجاه المتاجرين بصحة الناس عبر تجارة ضخمة لمواد سامة وقاتلة لا ندرى كيف تسمح الدولة بالاتجار بها. ولكن المنع وحده لن يفيد لان المخدرات مثلا لم يمنع تجريمها الاتجار بها واستخدامها. فمن دون ان يتم عمل مؤسسي مجتمعى تربوى وثفافى وقانونى ملتزم ينهى كل أشكال التمييز ويضمن مساواة حقيقية فإن الفسخ والجلخ سيستمر فى صناعة مساواة مؤقتة، ولكنها قاتلة للافراد ، ولاحلام الوطن في المساواة والتقدم.
nawayosman@gmail.com

