كتب / محمد عثمان جبريل
في الساعات الماضية، تداولت وسائل الإعلام خبراً مفاده أن تشاد تعتزم ملاحقة الجهات التي انتهكت سيادتها عبر قصف منطقة الطينة داخل أراضي السودان. غير أن اللافت في هذا التصريح هو تجنب الحكومة التشادية تسمية الجهة المنفذة بشكل مباشر، رغم أن المؤشرات على الأرض تشير بوضوح إلى تورط مليشيا الدعم السريع في هذه الاعتداءات المتكررة.
هذا الغموض لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للأزمة، إذ يبدو وكأنه محاولة لفتح باب تدخل غير مباشر في الشأن السوداني، تحت ذرائع أمنية، بينما تصب نتائجه فعلياً في مصلحة المليشيا. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأدوار الإقليمية، وحدود الحياد المعلن في ظل واقع معقد تتداخل فيه المصالح والاصطفافات.
إن تكرار هذه الانتهاكات، التي تبدو في كثير من الأحيان مقصودة، لا يخدم فقط تصعيد التوتر على الحدود، بل يمنح مبررات جاهزة لأي تحركات خارجية قد تزيد من تعقيد المشهد. وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التوقف عند الرسائل السياسية الكامنة خلف المواقف المعلنة، وليس فقط الاكتفاء بظاهرها.
ولا يمكن إغفال حقيقة أن المليشيا تنظر إلى تشاد بوصفها عمقاً خلفياً آمناً، تعتمد عليه في عدة جوانب حيوية. فهناك شواهد متكررة تشير إلى استخدام الأراضي التشادية كمسار لتجنيد مرتزقة مقاتلين، إضافة إلى كونها منفذاً لتصريف وبيع المنهوبات السودانية، في ظل ضعف الرقابة أو غض الطرف عن هذه الأنشطة. هذه المعطيات، وإن لم تُعلن رسمياً، إلا أن تكرارها على الأرض يجعلها جزءاً من واقع لا يمكن تجاهله.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات مباشرة حول موقف القيادة في تشاد، وعلى رأسها محمد إدريس ديبي، من هذه التطورات، خاصة في ظل اتهامات متزايدة بوجود تسهيلات غير مباشرة تُمنح للمليشيا عبر الحدود. كما أن الحديث عن خطوط إمداد ودعم لوجستي مرتبط بـ الإمارات العربية المتحدة، يضيف بعداً إقليمياً خطيراً للأزمة، ويعكس حجم التشابك في المصالح والتدخلات.
وعلى الجانب الآخر، فإن الذاكرة السودانية ليست قصيرة. فالشعوب لا تنسى مواقف الجوار في لحظات الأزمات، سواء كانت دعماً صادقاً أو انحيازاً مريباً. والسودان، وهو يمر بواحدة من أعقد مراحله، يدرك جيداً مصادر الدعم التي تصل إلى المليشيا، ومسارات الإمداد التي تعبر عبر حدود ودول معروفة.
إن ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره أحداثاً معزولة، بل هو جزء من مشهد أوسع يحمل في طياته ملامح صراع إقليمي تتقاطع فيه الأجندات. وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الثابتة أن أي تواطؤ أو تدخل لن يمر دون حساب، وأن دوائر الأحداث، مهما طال الزمن، ستعود لتضع كل طرف أمام مسؤوليته التاريخي

