عبدالباسط الحاج
(1)
بعد سهرة طويلة قضيناها الي حين الفجر و معي صديقي العزيز (قصي) و (نور الدائم الوريف) قررنا أن لا ننام لسبب سخيف للغاية وإن كان اليوم قد صادف و جبة الإفطار ستكون (عدس) و كلانا يحب العدس و لطالما تسامرنا بما يكفي و توقعنا مآلات الواقع بكل إحتمالاته فإن وجبة العدس تستحق مناظار المنظر أيضًا إلى حين قد يكون من السجان ولأننا من جانب آخر قد تعود لنا لتحويل نشاطنا من النهار الي اليل (قالبين اليوم).
عند بزوغ الشمس تدريجياً في عليائها و كانت تأسرنا تلك اللحظات التي نشاهد فيها الشمس (شمس السودان الجميلة طبعا) و نحن نلاحظ تحركات أفراد الأمن بشكل غير طبيعي و هم معهم اسلحتهم لغير العادة صرنا نمعن النظر إليهم من وراء القطبان إلى هذا المظهر جلياً و مع المقارنة بأصوات الموسيقي العسكرية التي أنبهنا ليها (كوريا) خلصنا الي نتيجة مفادها ان شيئا ما قد حدث ..!
(2)
تناولنا و جبة العدس بعد أن عقدنا جلسة تأهيل وتحفيز نفسي لدكتور (ع الرحمن حنينه) لإتخاذه المفاجئ و دون سابق إنذار قراراً بالإضراب عن الطعام رغم أننا كنا مقربين منه جداً وهو يقطن بجوارنا (مرتبتو جنب مرتبتي لزم) ، استطعنا ان نستلف له بعض المبررات لنقنعه بها بأسلوب (الركانة داك) فكنا نبادل الجرعات بيني و قصي حتى استطلاعات اقناعه تماما و قد تناول معنا الإفطار بمعشوقتنا (الآن صارت مكروهتنا) العدس.
(3)
انتهينا من الصباح المزخوم بالأحداث الأخرى و قد داهم النعاس أعيننا فقررنا الخلود الي النوم ريثما يتوصل السيد (كوريا) إلى المعلومات الأكيدة و ما إن و ضعنا أبداننا على الأرض حتى نهض العنبر كله أصوات مستوطنين جدد قدِموا إلينا من الخارج و هو فوج قادم فخرجنا لإستقبالهم و لنتقصي مع الآخرين أنهم معتقلين محولين من الكرفانات الأخرى لتبدأ معهم قصص التعارف و تاريخ الدخول وأين كنتم و كل هذا الروتين الممل و المشوق معاً.
(4)
و في خضم ذلك الوضع السوقي و نحن نتجول نحو المحولين الجدد لنتعارف عليهم المواد بالسجان يصيح بستة أسماء (احمد ودابسكر ، سليمان (له الرحمة) ، مصطفى ، عبد الباسط ، مهدي ، زين العابدين) شيلو اكياسكم ، فسألني صديقي دائما (قصي) تتوقع شنو يا فردة؟ ف قلت له اتوقع الأسوأ يا صديقي و لكني لا اتوقع الخروج الآن و في كل الأحوال سوف نلتقي و نحن منتصرين هكذا كنا نتحدث وانا أجهز (كيسي) و بقية الرفقاء يتناوبون لأجيب عليهم عن ماذا أتوقع من هذا مع الاعتبار بالملاحظات التي لحظناها عند الصباح !!
كنت اقطن في الزنزانة أربعة (الكمبو) تزيأت تمامًا مستعدًا لمواجهة ما يحدث أيا كان الأمر فاللحظة كانت تطلب مني أن اتصرف كرجل وواجهات كل الأمور المجهولة و أنا مرفوع الرأس.
بدأت أودع الرفقاء بداية من الغرفة أربعة لم يستطيع الرفاق العظماء أن يخبؤا تلك الدموع فتركوها تنهمر وانا كذلك ….. و أودع …. تنهمر … اودع …. و تنهمر مرة أخرى حتى إحتار فينا السجان الذي كان ينتظرني في الخارج و عندما شاهد هذا المنظر صمت بكل احترام … لا أعلم و لكنه كان الحب الذي منحناه لبعضنا و نحن نتقاسم ليالي السجن.
فقلت له الآن أنا جاهز و قد سبقوني الرفاق بالجاهزية وهم شامخين بالخارج ينتظرون خروجي لنواجه ما ننساق إليه معاً.
(5)
أقتادونا إلى الكرفانة المجاورة للجناح و قد وجدنا بعض التجار العملة و هم يسألون عن ما الذي سيحدث فكانت الإجابة مجهولة كالعادة … سرعان ما سمعنا من ذلك العنبر حركة جماعية إلى الخارج الجهة الضابط (اب عراقي) يأخذ المعتقلين في تنوير بسيط مفاده أن النظام قد سقط و ان الجيش قد إستولي على السلطة و إنحاز للثورة و انتم مفرج عندكم جماعياً و نحن نشاهد هذا المنظر عبر فتحات صغيرة من النافزة تسلل إلينا (ود الشريف امادو) فسألت بالضبط عن الخبر اليقين أكد لي و تبدو عليه ملامح السعادة و الإنتصار أن البشير قد سقط و جاء إبن عوف و الثوار لازالو في القيادة رافضين تولي إ بن ع ف و الشغلة كاتمة ياعمك .. اوكي نعم و قد قال لي أيضا ان الضابط ذكر سوف يتم إطلاق سراحنا نحن و لكن المجموعة الثانية (كنت أفكر حينها كيف إستطاع هذا الضابط المهووس إقناع اومادو) ؟؟
(6)
نشاهد عملية إطلاق السراح و كنا أكثر سعادة فقط لأن الثوار قد حققو نصراً عظيماً و ان رفاقنا الذين كنا معهم الآن هم أحرار ولن نرحبونا بكل تأكيد … وقد حدث.
جلسنا نتوقع ماذا سيحدث .. الأسوأ ماذا؟ الموت .. جاهزون ..
لحظات أخرى و يأتي السجان ليفتح لنا الباب مرة أخرى و يطلب منا أن نتحول الي الزنزانات الشمالية لأن هوائها نقي حينها تأكدنا أننا باقين لفترة ….!
نواصل ..
قصي عثمان-
نور الدايم خضر –
محمد حسن عبدون-
عبد الرحمن عثمان حنينا-
المهدي عبدالهادي-
مصطفي قصة-
زين العابدين حسن عابدين-

