كتب / محمد عثمان جبريل
لم يكن خطاب رئيس الوزراء كامل إدريس مخيبًا للآمال فحسب، بل كان صدمة أخلاقية وسياسية لشعبٍ يُذبح يوميًا. خطابٌ بلا روح، بلا غضب، بلا حقيقة، وكأنه صادر عن موظف علاقات عامة لا عن مسؤول في دولة تحترق. تحدث عن الحرب كما لو كانت خلافًا إداريًا، لا حرب إبادة وتهجير ونهب منظم.
الأدهى أنه فشل – أو تواطأ – في تسمية العدو الحقيقي. لم يجرؤ على قول إن مليشيا الجنجويد هي آلة قتل، ولم يجرؤ على فضح من يقف خلفها ويمدّها بالسلاح والمال والمرتزقة. صمت كامل إدريس عن الدور الإماراتي ليس حيادًا، بل عجزٌ فاضح أو خضوعٌ سياسي مشين. من لا يستطيع أن يقول الحقيقة في زمن الدم، لا يستحق أن يتحدث باسم دولة.
كيف لرئيس وزراء أن يتحدث عن “سلام” مع مليشيا ارتكبت جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية؟ أي سلام هذا الذي يُفرض على الضحايا دون عدالة؟ السلام مع القتلة قبل محاسبتهم ليس سلامًا، بل مكافأة للجريمة، وشرعنة للقتل، وازدراء لملايين النازحين واللاجئين.
ثم تأتي الكارثة الأكبر: الحديث عن مشاريع استثمارية في دارفور وكردفان، وكأن المليشيا أصبحت ممثلًا شرعيًا لسكان هذه الأقاليم، أو وصية على الأرض. أي استثمار يُبنى على الدم؟ وأي تنمية يمكن أن تقوم بوجود مليشيا اغتصبت الأرض بالقوة وتريد اليوم أن تُمنح صك الشرعية السياسية والاقتصادية؟
كامل إدريس يتحدث بلغة من لم يُقصف بيته، ولم تُنهب أرضه، ولم يُهجّر قسرًا، ولم يفقد أهله. من لم يكتوِ بنار الحرب لا يستطيع أن يعبّر عن آلام الناس ولا عن مطالبهم الحقيقية. ومن لا يسمّي القاتل باسمه، فهو شريك في الجريمة بالصمت.
نقولها بوضوح لا لبس فيه: هذه الحرب ليست سوء تفاهم، وهذه المليشيا ليست طرفًا سياسيًا، ومن يدعمها ليس وسيط سلام بل طرفًا في الجريمة. وأي خطاب لا يقول هذه الحقيقة كاملة، هو خطاب يعمّق الأزمة ولا يساهم في حلها.
التاريخ لا يُكتب بالتصريحات الباردة، بل بالمواقف الواضحة. والشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، ولا تغفر لمن تجاهل دماءها.

