ياسر درنجك
(الرصاصة لا تنطلق وحدها ولكن تحركها أيديولوجيا شريرة تقود بدورها الى الضغط علي الزناد ،لذلك حاربها قبيل ان تتحول الى رصاصة تتجه نحو صدرك) )
الى متي سيبقي مخموري أيديولوجيا إفناء الآخر يتجولون على جسور القتل والتدمير والقمع ويتهروبون من مواجهة الحقيقة والحياة المشتركة ،والى اين سيصلون ، فإذا كان هناك من لا يزال يعتقد مقدرته على إفناء الآخر وإنكار وجوده حلم يمكن تحقيقه ،فهو لم يستوعب المتغيرات التي يشهدها العالم من الاعتراف بالهوية والتنوع وحق الشعوب في أن تقرر مصيرها متى ما رأت ما يحدد كل ما يتعلق بأمورها الحياتية.
لم يتعلم هؤلاء القتلة وتجار الحروب من تجارب الماضي القريب ،ولم يدركوا أن الدم يجر الدم والقتل يجر القتل والإستفزاز يولد الإنفجار والعنف ينتج العنف المضاد ،ولم يكترثوا من أن هذه الافعال تتناقض مع الكينونة البشرية القائمة على التنوع والتفاعل والتباين ،وأيضاً التطور القائم على التشارك والتكامل.
مع العلم ان دارفور/غرب السودان موبوءة بأيديولوجيتين :طائفية دينية قائمة على الافقار الفكري والمادي وتشويه الهوية الثقافية وجعل الانسان أسيراً للقدر والإستسلام لما بعد فناءه ،وأخرى عروبية متوهمة ترتكز على الإستلاب والتذويب وانكار الآخر ، والدغمائية في اثبات وجود اللا وجود له ،وكلاهما يؤديان الى نتيجة واحدة وهي القضاء على الآخر والتخلص منه. نُقلت هذه الأيديولوجيات المُنمطة الى دارفور بعد ضمها الى السودان بواسطة الإستعمار الانجليزي، والمُحزن عبر أبنائها (خدام المركز)،والذين دائماً ما يلجأ اليهم المركز عندما ينوي فعل جُرمٍ بشعوب الهامش ،هذه الأيديولوجيات وظفها المركز سياسياً في السيطرة والتحكم في جميع نواحي الحياة الإنسانية هناك، وبسببها أصبحت طبيعة العلاقات المجتمعية البينية تتمظهر علي جملة من التحولات تبدأ من رفض الآخر ومناصبته العداء وتجريم فكره والنظر إليه علي إنه عدو لا يمتلك مشروعية الوجود ،ومن ثم إباحة هدر دمه وتبرير القضاء عليه رمزياً ووجودياً ويتلازم ذلك مع إيجاد المبررات والذرائع التي تبيح للانا قتل الآخر والذي هو انا من موقع مختلف.
بهذا المستوي يصبح شكل العلاقة بين الانا والأخر قائماً على التناقض التناحري ،ما يعني أن وجود الآخر مرتبط بفناء الآخر او إفنائه ،ومن ثم يتحول الصراع في المجتمع الى صراع مفتوح. يتحول فيه الخلاف الى إختلاف ،والتباين الى تناقض ،والتناقض الى صراع ،والصراع الى تدمير الذات ،وبهذا المنطق يصبح المجتمع بكل مكوناته محدد بالإفناء والدمار المتبادل.
الخروج من دائرة إنكار الآخر وإلغائه يحتاج إلى آليات تفكير واقعية تُمكّن الانفتاح على الآخر المختلف عنك والدفاع عن حقه بالوجود والإستمرارية. فحق الاختلاف من القضايا الطبيعية، وذلك يعني أنه لا يحق لأحد أن يصادره، فوجودي يعني وجود الآخر، والعكس .
فالحوار الموضوعي، والتفاعل البنّاء والمنفتح على التطور والإرتقاء، وإبعاد لغة العنف والتقتيل ، وسيطرة لغة التواصل، بإستطاعته خروج المجتمع من دهاليز ايديولوجيات الإفناء المتبادل. .
ما يعني أن تجاوز لحظة انقطاع لغة التواصل، وهيمنة لغة العنف والإصرار على القتل، يحتاج من الجميع، أفراداً وجماعات ،كيانات إجتماعية ،جماعات دينية وسياسية، استبدال منهج إنكار الآخر وإفناءه بمنهج آخر يقوم على التواصل والتنسيق المشترك، أي إننا بحاجة إلى بناء مجتمع مفتوح يكون فيه المجال العام متاحاً للجميع، وأن أنظر كأنا إلى الآخر كونه أنا، وأن ينظر هو بدوره إليّ بِكوني هو. ولا يعني ذلك أننا ننظر إلى المجتمع من زاوية الذوبان والتماهي ، لكن مع التأكيد على إن وجودي متلازم مع حق الآخر بالوجود. ووجود الآخر يرتبط بوجودي. والوجود بالمعنى المذكور لا يختصر فقط في حدود الوجود البيولوجي، بل يمتدّ إلى مستويات أُخرى تتمثل في الإعتقاد والإنتماء وجميع أشكال الحياة اليومية ،من الممارسة السياسية والمدنية بكوني آخر مخايراً عنه. فإذا لم يعالج هذا الوباء، فإننا سنبقى ندور في فضاء التوهان الذاتي ، لذا من الضروري على الذين يتفاوضون في سياق مسار دارفور ،وبالرغم من ان هذا المسار فخٌ نُصب للحركات الثورية في دارفور ،وفعلياً قد وقعت فيه ، إلا انه أيضاً يمثل فرصة لها لطرح رؤيتها على شكل نظام الحكم الذي يكون مناسباً وقادر على إدارة التنوع والاختلاف ،وتحديد شكل العلاقة بين هوامش السودان والمركز حتي لا تعود الأجيال القادمة الى مربع الحرب.
(العلمانية هي الحل)

