كتب / عبد الهادي عبد الله
في وقت يخوض فيه السودان معركة وجودية، وتتكسر فيه حدود الجغرافيا أمام صمود الأجساد التي تدافع عن ”الكل“، تطل علينا من محلية دلقو بالولاية الشمالية مشاهد غريبة على قيم التكافل السوداني، وصادمة للضمير الوطني. وقفة احتجاجية يرفع أصحابها شعارات ”التغيير الديمغرافي“ ويرفضون نصب ”خيم“ لنازحين هجرهم إرهاب الجنجويد من ديارهم، تحت مبررات واهية تتحدث عن ”الاختلاف الثقافي“ وحماية ”الحضارة“. كيف تكون متحضر وفي الوقت ذاته ترفض الآخر من وطنك ؟!
إن ما حدث في دلقو ليس مجرد تعبير عن رأي، بل هو نكوص خطير إلى مربع التمييز العنصري الذي ورثناه من عهود المؤتمر الوطني وقبله، حيث تُمنح صكوك المواطنة وحقوق السكن وفقاً لمزاج ”القوة الثقافية“ المتوهمة. حين يقول المحتجون إن هؤلاء النازحين ”لا يشبهوننا“، فهم يغذون خطاب الكراهية بـ ”طريقة ناعمة“، وينسون أن الوطن في لحظاته الفارقة إما أن يكون للجميع أو لا يكون.
إن هؤلاء المحتجين تناسوا، أو تعمدوا التناسي، أن هؤلاء الذين يرفضون اليوم وجود مخيماتهم، هم أنفسهم الذين وقفوا سداً منيعاً في دارفور وكردفان أمام تمدد الميليشيا المتمردة. لقد صمد أهلنا هناك في وجه الجوع والخوف، وأكل بعضهم ”علف الحيوانات“ ليظل السودان باقياً، وليموتوا هم نيابةً عن الجميع، ولولا صمودهم لكانت كل بقاع الوطن اليوم، ومن بينها دلقو، مباحة ومستباحة.
المؤسف حقاً ليس فقط سلوك هؤلاء ”المحتجين“، بل الاستقبال ”الرحب“ الذي وجدوه من المدير التنفيذي لمحلية دلقو، الذي أشاد بـ ”تحضرهم“ ووعد بمعالجة مطالبهم ! أي تحضر هذا الذي يرفض إيواء نازح فقد بيته وأرضه وعرضه ؟ إن توصيف هذه الوقفة بأنها ”تعبير حضاري“ هو خيانة لمفهوم الإنسانية قبل الوطنية، وهو تشجيع ضمني على تفتيت النسيج الاجتماعي المتهالك أصلاً.
إن السلطات الاتحادية والولائية مطالبة اليوم، وليس غداً، بالتدخل الحاسم. لا يمكن لمحلية أن تدير شأن ”النازحين“ بعقلية ”الشياخات“ المنغلقة. إن حماية النازحين من الاعتداء ”المعنوي“ والتمييز الممنهج هي مسؤولية أمنية وقانونية وأخلاقية.
كفانا اختزالاً وتعميماً يظلم الأبرياء. إن تحميل مجتمعات كاملة وزر أفعال مجموعات مسلحة هو عين الظلم والجهل. الوقت الحالي ليس وقت مزايدات على ”الأرض والحضارة“، فالأرض التي لا تسع المواطن المظلوم ليست أرضاً، والحضارة التي لا ترحم الضعيف هي محض ركام.
على الدولة كبح خطاب الكراهية ومحاسبة المحرضين عليه فوراً، منعاً لانزلاق البلاد إلى انقسام لا تحمد عقباه. إن وحدة الصف لدحر الجنجويد والمرتزقة والاستعمار الإماراتي تبدأ من ”خيمة النازح“ في الشمال، قبل أن تبدأ في خنادق القتال، فمن يقاتل الجنجويد هناك، يدفع دمه لتظل أنت ”آمناً“ هناك، فلا تقابله بالصد والرفض والتمييز.
السودان يسع الجميع، أو سيضيع منا جميعاً.

