لندن – صوت الهامش
تساءلت مجلة الإيكونوميست البريطانية عن أخطاء الغرب في التعامل مع الوضع في السودان، قائلة إن على رأس تلك الأخطاء: “التعامل مع أمراء الحرب على أنهم رجال دولة”.
واستهلت المجلة تقريرا مطولا، اطلعت عليه صوت الهامش، بالقول إن الحرب في السودان تثير في جوبا (عاصمة جنوب السودان) ثلاثة مشاعر متباينة هي الارتياح، والخوف والذكرى.
وأوضحت الإيكونوميست أن شعور الارتياح في جنوب السودان منبعه أن هذه الدولة الوليدة منفصلة منذ عام 2011 عن السودان حيث تعمّ الفوضى الآن؛ أما شعور الخوف فمنبعه أن العنف الحاصل في السودان الآن قد يتسع مداه متخطيا الحدود بين الدولتين ومؤججا صراعات لا تزال كامنة في دولة الجنوب.
أما شعور الذكرى فمنبعه أن ما يحدث في السودان اليوم يعيد إلى الأذهان ما حدث في دولة الجنوب بعيد انفصالها واستمر لسنوات، لا سيما وأن الغرب أيضا كان يسعى سعيا حثيثا لترسيخ السلام وبناء الدولة الجديدة في الجنوب ولكن هذه المساعي الغربية انتهت كذلك إلى الحرب والفوضى.
ورأت المجلة البريطانية أن أسباب اندلاع الحروب في السودان وجنوب السودان معقدة وتعود جذورها إلى ما قبل عشرات بل ربما مئات السنين. على أنّ مسؤولية تلك الحروب تقع بشكل مباشر على الرجال الذين يختارون ذبح أبناء وطنهم.
لكنْ ما أن اندلعت حرب بين قوتين مسلحتين (الجيش النظامي والدعم السريع) في العاصمة السودانية الخرطوم يوم الـ 15 من أبريل الماضي حتى ثار طوفان من الانتقاد في وجه الغرب وحكومات إقليمية لعدم القيام بما يلزم من أدوار دبلوماسية من أجل تفادي وقوع تلك الحرب.
ورصدت الإيكونوميست اتجاها جديدا مفاده أن النهج الغربي المتّبع حاليا في حل أمثال تلك الصراعات هو نهج معيب تشوبه بعض الأخطاء التي ينبغي تدارُكها.
وعادت المجلة بالأذهان إلى الوراء قليلا، وتحديدا في أبريل 2019، عندما تقاسم الجنرالان البرهان (على رأس الجيش النظامي) وحميدتي (على رأس الدعم السريع) السلطة بعد انقلاب نفذّاه ضد رأس النظام السابق.
ولكسْر إرادة المتظاهرين السودانيين، قام الجنرالان بمذبحة سقط فيها أكثر من 100 متظاهر في يونيو 2019.
وتفاديا لإراقة المزيد من الدماء، سارع الدبلوماسيون إلى إبرام اتفاق على تقاسم للسلطة بدا من الظاهر أنه عملية انتقالية بقيادة مدنية إلى الديمقراطية، لكنه في حقيقة الأمر كان انفرادا بالسلطة من جانب العسكريين (الجيش والدعم السريع).
ورأت الإيكونوميست أن الغرب إزاء ما شهد من فوضى في السودان لم يجد أمامه غير العسكريين جاهزين للتفاوض، بخلاف المدنيين الذين لم يكونوا جاهزين.
وربما كان أكبر خطأ وقع فيه الدبلوماسيون الغربيون هو الافتراض بأن الجنرالين البرهان وحميدتي يمكن الوثوق في تعهداتهما بتسليم السلطة للمدنيين.
وأكدت المجلة البريطانية أن هذه الثقة (في تعهدات البرهان وحميدتي) وُضعت في غير محلها؛ فقد تصدّى الجنرالان لكل محاولات إصلاح الفساد الاقتصادي في السودان التي اقترحها رئيس الوزراء آنذاك عبد الله حمدوك والذي سرعان ما انقلب عليه الجنرالان وأطاحا به من المشهد.
وفي أبريل الماضي، بذل نفس الجنرالان (البرهان وحميدتي) عهودا جديدة للدبلوماسيين الغربيين، لكنْ لم تكد تمضي أيام معدودة حتى اندلعت الحرب الجارية حتى الآن.
ورأت الإيكونوميست في وثوق الدبلوماسيين الغربيين بوعود الجنرالين السودانيين نوعا من السذاجة.
وقالت المجلة البريطانية إن السودان، كدول أخرى عديدة، بلدٌ هشّ، يمكن النظر إليه باعتباره سوقا سياسية، العُملة الرائجة فيها هي العنف. ويمكن اعتبار الجنرالين البرهان وحميدتي، على رأس الجيش والدعم السريع، كزعيمَي قوتين تسعيان إلى احتكار تلك السوق.
ونوّهت الإيكونوميست إلى أن انقلاب 2021 جاء بدافع مخاوف في الجيش السوداني من جهود متضافرة كانت تتعارض مع مصالحه الاقتصادية.
ويذهب بعض المحللين إلى أن عملية ترضية الجنرالات بهدف إقرار السلام يمكن أن تسدّ التدفق الطبيعي للتيار السياسي في البلاد، وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن “السلام على هذه الشاكلة يقتل الحياة السياسة”.

