د.بخيت أوبي
في مضمار اجتهادات وتفكرات الانس في استكشاف ما خفي من اجابات تحاول الالباب استنطاقها من منافد تساؤلات تتوارد على البحر الزاخر، والآلة التى لم تؤتى بمثلها من الكائنات على مدار الارض،وما علاه من طبقات ، وفضاءات لم يحصى موجوداتها احد، فراغ وظلمة وضياء على مدى انتهاء قوى العلم الحديث والقديم، يتوقف عند بداياتها التى لا انتهاء لها، ممتدة وممدودة ومحفزة للمزيد من الشغف في الغوص المعرفي، وتحسس مكامن ومكونات الاشياء .في خضم ذلك غاص الاولين ببنات افكارهم وعصارة البابهم للربط بين الكل المتناغم من جهة، وغير المتجانس مما يترأى بما أوتوا من بصر يتوقف عند نطاقها المقدر لها.لذلك كله قام الجهابذة من اركان الارض لايجاد ابعادها ومتجهاتها فغاصوا في علم البسط والتكسير واستخراج العزائم لموكلى الافلاك والايام، واعتقدوا في تأثير الارقام والحروف والاوفاق للتواصل مع ذلك الجزء غير المرئي من كوننا الشاسع، ذهب البعض الى انهم قد تلبستهم الاباطيل والاوهام وبما يلقي الوسواس الخناس في صدورهم.فكان فضاءا شاسعا ومظلما لم يصل احد الى ادلة قاطعة بموجوداته وتأثيراته، الا بما يتوارد من اقوال يلقيها اربابها على صفحات غير مكتملة وغامضة على الكتب التى وصفت بانها صفراء يملئها الغموض.
على منوال ما ذكر آنفا، استنطقت مواثيق شفاهية على اختلاف الامكنة والازمنه ، لا يمكن ان يثبت صدقيتها احد او يأتى بما ينافيها من دفوع الطرف المخالف لما يدعيه الاول بما لا يرى عيانا، وانما هى كامنه فى عقول عدد غير قليل تناقلها كابل عن كابل حتى اضحت كالاطواد الراسيات، وان لم يتحقق منها او يستقصاها احد ممن مضى او سلف، تحرك الانسان بصورة ديناميكية بلا ادنى تفكير منه او رهق.منها ما تناقله القوم على امتداد التأريخ من التصورات المتوهمة وزيادة طول وعرض الذوات حتى تملأ الافق ، الا من الكلمات التى تلقيها فتتفرق حروفا، وتتكسر اوفاقا، وتصبح عزائما، وتمتثل طلاسم ، يحملها من اعتقدوا بقدسية مبتدأوها ومبتدروها ومحبكوها ، لها لمسة سحرية تذهب على اثرها الكثير من العقول، تضحى جامدة لا تعرف بعدها الا التسليم بهذا التنويم المغنطيسي، والنظرة المغنيطيسة، ومبهمات الاقوال ، وما يخالفها من الافعال، فلا يبعد كثيرا ايجاد الحق فى صورة الباطل والعكس بالعكس، وانما يتعلم الانسان كثيرا، وينفعل، وينفك قيد عقله بما يخالط، وان كان ذلك على غير ما يهوى نفسه ، او ما يتلقاة من ألم او سعد، فلا تتأتى وتتنزل المعرفة بلا ثمن يدفع ولو بعد حين، اذ اتى حين من الدهر لم يكن شيئا، حالما كان شيئا يستزيد حينا ، ففصلا ،وفترات حتى يقوى على وقع التجارب، وواقعات الحياة، ما يلبث سنون، الا ويضحى حكيما وحصيفا يتفادى مواطن الصدمات ،ويتجنب مواضع الخلل، ويستفيد من المحاسن، ويستبصر من المثالب.
فالفاحص للامر مما مضى من منطوق عاليه، يجد كثير مما جبل عليه الانسان، يمكن تشذيبه بالتجربة وشحذه بقوى الخبرات، فيثمر ذلك كله تغيير ما لم يثبت جدواه بالتجربة والبرهان، وضاقت بها الايام والليالى، وضيقت مساحة الارض بين ساكنيها واطبقت عليهم رحب الفضاء الشاسع الذى ينطبع عليه طابع الوفرة، الا انها تكبلها مقفلات الالباب واطواقها وممسكات النفوس ومحاسنها الخيرة، ومطلقات شرها فى الجانب المظلم منه. فان كان ذلك كذلك، فإنه يتطلب تغيير النظرة الى الذات التى تلامس الافاق بادعاتها، وتطاولها،وافكها،واكاذيبها التى تطلقها في الافق الممتد، وتصدقها بصورها المنعكسة بطرفة عين، بلا ريب وان قالت الايام بغيرها، والواقع بما يضادها ويخالفها، ثانيها يتطلب ذلك الوقوف في صف واحد مع من جاور، للتكامل وتبادل المنافع ولا شك ان الايام دول بين الناس، ولا ينقص من الكرامة شيئا الاستعانه بالجار عند الشدائد، واطلاق اليد بالمعروف اليه عند الرخاء،ثالثها يحتاج ذلك تقييم الذات ووزنها بميزان الحق الذى لا يظلم عدوا ولاينحاز لصديق، وان كان الكمال من ابعد الاشياء فى كورة الارض، فهلا تأملنا قليلا في موازين ومكاييل العقل الذى وقف على شواطئه الاولين وغاص في لججه الاخرين

