د.بخيت أوبي
ما تعنيه الديمقراطية المكانية، قيام اركانها وشروطها وشرائطها وممارستها، وبالتالي نتائجها المنعكسة من مصدرها والى مصدرها وهو الشعب، الذي يحيا في الاطار الزماني والمكاني، حيث ينشئها اول الامر ابتداءا ويحصد نتائجها انتهاءا، يوجد مؤسساتها ويضفي عليها الشرعية، ويؤمن باهميتها ويتمسك بمخرجاتها، وان مستها ايدى من خارج سلطانه وارادته قاومها بشدة، لايفرق تماسكه مفرق بالغلبة، ولايمنعه الالتفاف والايمان العميق بها ما يتوارد من شائعات مغرضة واوهام متخيلة، تتقاذف اليها من غير موجدوها، والساعون الى اتلاف فعالية جذوتها، ونار تماسكها، ونور الحق الساطع في ارجائها، مما يشملها من حق وعدل ومساواة، تتماهى مع الحرية الراشدة والحق المستقوي، بما يدفعه من شواهد تاريخية وعادات راسخة مع مرور الزمان، وتفاعل التجارب، والواقع على منوال السياسة العملية، التى لاتنكر محاسن ومثالب السياسة النظرية، التى ترمى بها الالباب فى صفحات القرطاس، ووسائل الاعلام من الحادبين الى الاصلاح، لكل استبداد يخرج ويجنح عن جادة الصواب، ويقيم من شتت النزوات والهوى والامتلاك برهانا، وحجة ناصعة، لاتتعلق بها غبار الزلل والشوائب، التي ما انفكت تلازم الانسان مهما بلغ من العلم مبلغة، او من السلطان اشدة واوثقه.لايتصور ان تقوم الديمقراطية والشعب لايملك من الامر شيئا الا من الكلمات المنمقة، والخطابات المرسلة لغرض وقتي عابر، مما يلقيه الساسة في فترات متقطعة، لاتربط بينها رابط ولاعقل ولامنطق حكيم، كيف يطلب ممن لم يحضر او يدلوا بدلوه في صناعة القرار بتنفيذه بلا ادني ارتياب، او دون ذلك قوة السلطة وبطشها من الايدي الجاهزة للضرب بالسيف على الاعناق، تلك منقوصة ولا يدعمها عقل او واقع.
للممعن في النظر في واقع الحال يجد ان شعوبا، لم تاتها يوم سانح، وان كان ذلك بغفلة من السلطان والتاريخ ان تخط بيدها دستور يحكمها، او قانون ينظمها ويحفظ حقوقها، كما قال فيلسوف وضع الحق لينصف الاقوياء، اى ان القوة تقيم حقا، والقوة تكمن في مركز السلطان الذي يتدفق منه المدد الى الارجاء والاصقاع، ويشملهم بفيض كرمة او شديد سطوته، لم يجد باحث تدفق تلك الاشعاعات من الاغلبية المقهورة الى الاقلية المحظوظة، فان كان الامر على دواليك المنوال فلا يبرق بارق الامل والحق، الا ان يحطم القيود وينكسر القيد و تنفك العقدة ،التى لاتسمح للشعب بان يملك امر يدية او التقرير بشانه. وان تبسط مركز الدولة الامر للافلاك ومداراتها، وان يرسم كل فلك محوره الذي يدور فيه، بصورة تقبل التماسك بين اجزائة المنفعلة، واطرافه المتصارعة، وتجد بذلك لصواب المشورة والرأي طريقا لتقاسم المكان بما يحويه من خيرات وثمرات على ارجائه، وان تتدلي تلك المؤسسات الممركزة التي لاتعرف غير فلك موجدها الى اخواتها من الافلاك، والانجم الاخري حتي يسير الامر بتناغم لايعكر صوفه التنازع، وتضارب الاهواء والرغبات، فاذا ما وجدت طريقا للظهور خبأتها بسرعة البرق التالف والانسجام حتي يصير دكا وهباءا لايتبعه الندم ولايعتريه تجدد الصراع.وان اوجد مركزها نوتة من مقطوعة موسيقية لاتلائم رقص الاطراف ولا يطرب لسماعها النفوس، فلا يمنعها مانع من استخدام موسيقاها التقليدية، وان توجد كذلك ما يلزم ويستدعي حلقة الرقص من ادوات وطقوس بالصورة التي تراها مناسبة، وليس للعدالة بمكان ان يطرب احد بالقوة المطلقة، وإن تظاهر بالاذعان فيوم قلب الاوتار ليس ببعيد، حالما لم يطلق عنان التسامح المتوازن، والحرية الرشيدة التى تجاور ما خالفها من اخرين.
إمكان استنساخ صورة طبق الاصل، لاينصلح مقامه مع الاختلاف وعدم الائتلاف، وان كان ظاهره يتبدى ساكنا وجميلا، فما كان فصول التاريخ الا صورا بلا تجانس صنعت دمارا وعمرت الاصقاع البعيدة، فما زالت الامم تقرا من فصول تاريخها، وتستهويها، وتشد فضولها ما كان عليه الامر في سابق عهدهم، تشدهم الجمال بقدر ما تشدهم التجارب المريرة المليئة بالماسي والانات، وان انكر ذلك ناكر او متذحلق او واهم، فالأمر لايقوم له قائم قوي جنباته الابترك الشعب، وارجاع كرامته، وحريته، في اختيار قوانينه وكتابه دستوره، ومن ثم يجمع دساتير الشعوب جميعها في دستور واحد ينظم ناظم الحياة كلها، وان تمتد يد مؤسسات المتقدمين، مما صنعه الاولين، لا ينكر من الامر شيئا، حتى تتأسس عليها بنيان الدوله وائتلاف اختلافاتها، وان يتقاسم ثمرات المكان ساكنيها من القوم، وما زاد من الفضل الى مركزها، بحيث لاتمتلئ موائد حاكميها قبل موائد سواد الشعب، وان تجد الاطباق المساحات التي فقدتها، مكانها في موائدهم، ولايستقيم الامر لمن تؤخذ منه الثمرات، وابناءه يتضورون جوعا، وتنقص اعدادهم الامراض، ويرهق كاهلهم طلبات السلطان.كذلك لزيادة التقارب والانسجام في التعايش والاختلاط بين مركزها والاطراف، وان تعمل مؤسساتها بمبدا الكل المشترك تختار اطرافها خادمي مركزها وتختار مركزها خادمي الاطراف، بقانون موحد يساوي بين الكل،ان يجعل من المؤسسات شيئا واحدا، وهدفا واحدا، ومعني واحد لايعرف حدودا للمكان . حتى يبني بنائها القوي الاركان كل شعوبها لاينفرد بالامر احد، والا صارت صورة بلا جسم وكلمات بلامعني وديمقراطية منمقة يبكي الحبر على جنبات صفحاتها تملئها الحيف وعدم الانصاف وان قال قائلوها بغيرها، اذ لاتستوعب الوديان مياه البحار المتدفقة بل تجري ولاتجد للمجري متسعا لسرعة المياة المتدفقة وقوة الموج المتلاطم.
مجمع الديمقراطية المكانية هي الديموقراطيات المكانية الجزئية، التي يمكن تصغير اطاراتها بقدر ما يحويه الامكنة من شخوص، فتنصب من تلك الروافد الصغير الى مصب البحر الزاخر المسيطر، وان تكون الغلبة للروافد لانها الاكثرية تصيغ الفكرة وتنشئها وتمارسها بحيث يحتويها الكتاب الاساسي الذي يسطر شأن العامة في الاطار المكاني الكلي، لا ان تكون مستجلبة وغريبة لاتستأنها الروافد، ولايتناغمون معها، ولايفهمون مدلولاتها ومفهوماتها، فهي داء تجب استعصالها، لانها تزرع بذور الخلاف والتشذيا اولانها لاتكون مرآة للاراء جميعها، وانما لاقلية مسيطرة تريد لها ان تسيرحسب تقديراتها، تكرراخطاء اسلافها من الاولين، الذين لم يتعظوا من تجارب التاريخ وسير الاولين، كانوا مما لم يجمع بينهم جامع، كل مستقلا برأيه وامره، الى ان جمعم سطوة الغازى لمصالحه وألب بين بعضهم وساروا لايعرفون للامر حيلة غير الاحتكار والاحتراب والتصارع.

