احمد داوود
في فيديو نشر مؤخراً بوسائل التواصل الاجتماعي _ دعا المفكر السوداني محمد جلال هاشم الي تحرير السودانيين مما أسماه : بنية العقل المسترق . و يري هاشم أنه على الرغم من أن ظاهرة الرق قد انتهت عمليا إلا أن هنالك أشخاص و تيارات لم تزل حتي الآن تفكر بعقلية نخاسي الرقيق .
هذه العقلية التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ، تدعي أيضا أنها تمتلك الحق في تقرير مصير البلاد بمعزل عن الآخرين ، و بالتالي فإن أية مشروع سياسي أو فكري لا يخرج عن فضائها الثقافي فهو بالضرورة مرفوضا حتي لو أنه يمتلك القدرة علي معالجة قضايا البلاد .
في الأسابيع الماضية طرحت الحركة الشعبية جناح الحلو رؤيتها لمعالجة المشكل السوداني ، ورهنت الوحدة الوطنية بالنظام العلماني ، و هو بالتأكيد حق من حقوقها ، وظلت تتبناه منذ تأسيسها في العام ٨٣. و لكن كالعادة _ اعلنت النخبة السياسية التي ظلت تصدع رؤوسنا بقيم العدالة والحرية اعلنت رفضها للمقترح بحجة أن الحركة لا تمتلك الحق في أن تقرر نيابة عن السودانيين . ولهذا طالبت بضرورة تأجيل البت في مثل هكذا قضايا إلي حين انعقاد المؤتمر الدستوري .
و لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو :هل استفتي قادة الجبهة الإسلامية الشعوب السودانية عندما فرضوا نظامهم الديني في العام ٨٩ ؟ . بالطبع لا . وهل استشار النميري السودانين عندما فرض قوانين الشريعة في العام ٨٣ ؟ الاجابة أيضا بالنفي . إذا طالما أن الدولة الدينية قد تم فرضها علي السودان فرضا فهذا بالضرورة يعني أن أي جماعة لا تعبر تلك الدولة عن مصالحها فهي محقة في مطالبتها بالنظام الذي تراه مناسبا لها.
أن ترفض القوي الاسلاميه فكرة العلمانية برمتها فذلك أمر مقبول ، ولكن أن يصدر هذا الرفض من اليسار الذي هو بحكم خلفيته الفكرية مؤيدا للعلمنة فذلك أمر غير مقبول ، و هذا في الواقع دليل علي أن دعاوي القوي اليسارية لفصل الدين عن السياسة كان فقط في سياق الصراع مع قوي الاسلام السياسي التي كانت تستخدم الدين كسلاح لنفي وابعاد الآخر السياسي ، و ليست نابعة من رغبة اليسار في التأسيس لمشروع وطني جامع مثلما ظلت تزعم مؤخراً .
طوال الفترة الماضية فقد الدين وظيفته الأساسية ، وتحول الي سلاحا لإعادة إنتاج الآخرين داخل الحقل الثقافي المسيطر . و هو ما يبدو واضحا في سياسات الأسلمة و التعريب و تغيير الاسماء ، وفرض لغة واحدة علي شعب متعدد الأعراق والثقافات ، و طمس هويات شعوب بأكملها ، و طمس آثار حضارات كانت موجودة منذ الأزل ، بجانب عمليات القهر و التذويب التي ظلت تمارس ضد مجموعات ثقافية بعينها .
و المتابع لتاريخ السياسة بالسودان يدرك جيدا وعي اليسار بأهمية الدين و علاقته بعملية ممارسة السلطة ، لهذا ظل المثقف اليساري يختزل العلمنة فقط في الجانب السياسي و متجاهلا في ذات الوقت الجوانب الأخرى الثقافية والاجتماعية أو حتي الإنسانية . كما ظلت القوي السياسيه المحسوبة لليسار تناي بنفسها من كل ما يربطها بالعلمنة باستثناء ” حق” التي طرحت العلمانية بشكل واضح و شجاع للغاية .
وعي القوي اليسارية بالخطر العلماني الذي يمكن أن يهدد امتيازاتها التي حصلت عليها بصورة غير مشروعة و بالتواطؤ مع القوي الاسلاميه هو ما يجعلها تصر علي رفض النظام العلماني ، لأن العلمانية ببساطة تقوض مساعي التيارات والمجموعات التي تعمل علي اختزال وطن ذاخر بالتنوع والتعدد في ثقافة ودين واحد . و لكن مع ذلك يصبح الخيار العلماني هو الأفضل في واقع متنوع ثقافيا و دينيا كالواقع السوداني .

