بقلم : فؤاد شنيب
لهذا المقال غرضين :
اولا _ التمهيد لمقالنا الأساسي عن محاكمة الرئيس السوداني المخلوع عمر حسن أحمد البشير و لذا قررنا ان نذكر الناس عن ماهية المحكمة الجنائية ، و نبيّن أشياء مهمة و كيف تمت إستغلال المحكمة الجنائية .
ثانياً لإزالة الإحتقان و اللا يقين و الأمل الطوباوي ، أنها مجموعة من المشاعر التي تخالط وجدان الشعب السوداني، لتزيل عنه و لو بعض أنماط التغبيش التي لا تزال تصنعها الآلة الإعلامية المعطوبة للسودان القديم و التي لا تزال تعمل بكفاءة تفوق أي إعلام مستقل متحرر آخر ، و الأخطر بات من غير المعلوم بالنسبة حتى لحملة لواءات التغيير التمييز بين ماهي تلك الأدوات التي قد يظهر عليها هذا الإعلام و لذا الكثيرين يقعون ضحايا .
فكيف نشأت المحكمة الجنائية الدولية :
تدنى الإقتصاد الترندادي حتى أضحى في أضعف مستويات إقتصاديات العالم الفقير و كان السبب يعود لسيطرة كبار تجار الأفيون و الكوكايين ! على الإقتصاد القومي كما وصل إلى درجة عجز في الميزانية إذ بلغ العجز ٦٥٪ من ميزانية الدولة في جمهورية ترنداد أي ان الدولة كانت تمول إنشطتها بالعجز ضعفي ميزانيتها إنعكس هذا بشكل إيجابي علي مروجي الممنوعات و عزز نفوذهم أكثر و تمكنهم من الدولة خلال إغراضها بالعجز ، الأمر الذي دفع دولة ترنداد في ١٩٨٩م الدفع بوثيقة دولية للأمم المتحدة كمشروع لمحاربة المخدرات و إعتبار المخدرات جريمة دولية تتطلب تضافر الجهود الدولية عبر وثيقة يتواثق عليها جميع العالم ، فسرعان ما تطورت هذه الوثيقة خلال مداولات دامت تسعة أعوام أخرى لتتحول إلي ميثاق روما الذي تمت إجازته في ١٩٩٨م بعد إضافات جديدة ليشمل الجرائم الكبرى .
وُلد ميثاق روما ضعيفا إذ لم تكن حوله سواء بعض الدول التي لا يؤخذ لها بالإعتبار في معايير القوة الجديد التي فرضتها ظروف العالم و لهذا سرعان ما بدأ التعامل مع الميثاق على أساس الإخوة البالغين و أشقاءهم الصغار من الدول .
بالرغم من أن لهذا المشروع ثلاث اوجه ، وجه إنساني و إقتصادي و آخر عدالي إلا أن الأشقاء الكبار نظروا إليه من باب الربح و الخسارة سيما و أنه سيحارب بشكل غير مُعلن أي مظهر للفساد او تغويض الديموقراطيات الأمر الذي سينعكس على مصالح الأشقاء الكبار و أزرعهم الممدودة داخل أحشاء الكثير من الدول و تحرِكها بمقتضى حاجتها ، و تقوم هذه الحاجة على أساس مبدأ الإحتكارية و التفوق ، سواء كان إحتكار التكنلوجية او المعرفة التطبيقية للعِلم الحديث في شتى مجالاته ، و المسنودة بالإمكانيات المادية أو بالتقنية الحربية ، و هنا حدث تحالف إستراتيجي غير معلن بين الدول الكبرى التي تنظر بتطرف لميثاق روما و بين النخب الحاكمة التي تتكون من الطبقات الأرستقراطية و المثقفاتية و رجال الدين بمن فيهم الأكاديميين من ابناء تلك البلدان التي يفتك بها الفقر و الجوع بفعل الظلم السياسي و الإضطهاد و التي وصلت في بعض البلدان منها كالسودان لمرحلة الإبادة الجماعية و العرقية .
أن و جود الأنظمة القمعية يمهد الكثير من فرص الكسب للدول المستقرة على حساب الأخرى و هنا حدث هذا التحالف الغير معلن بين حكام العالم الفقير الطُقاة الدكتاتوريين و تحالف النخب و الطوائف و بين أكبر دول إقتصاديات العالم ، لذا فإنه من الطبيعي إذن أن نجد أسوأ الدول حالاً هي من رفضت المصادقة على الميثاق كبعض دول أفريقية ، و جدير بالملاحظة لم تصادق أي دولة عربية على ميثاق روما لمكافحة أخطر الجرائم حتى الآن سواء تونس فقط !! على الرغم من أن البلدان العربية هي من أسوأ البلدان إنتهاكاً للحقوق و أكثرها جراءة لإغتراف جرائم ضد الإنسانية كالإبادة العرقية التي تتم للأقباط و النوبة بمصر و اليزيدية و الكردية بسوريا و للبدون بالكويت و البرابرة و غيرهم ! ، و هذا يبرر الكثير عن ما يقع في هذه الدول المغتصبة و المقهورة بشتي الإنتهاكات في مقدمتها الإضطهاد العرقي و الديني و هما من إكبر مظاهر جرائم الإبادة الجماعية بنص ميثاق روما نفسه .
لذا لم يجد ميثاق روما صديق عاقل من دول العالم القوي بإستثناء أوروبا و أستراليا إذ أن ٩٩٪ من دول الإتحاد الأوربي صادقوا على هذا الميثاق الإنساني .
فما هي إختصاصات المحكمة الجنائية و هل صحيح من أنها ستحكم المجرم “بشة” :
هناك فرق بين المحكمة الدولية و المحكمة الجنائية ، فالمحكمة الدولية هي محكمة تختص بالنزاعات الحدودية بين الدول و التى يمكن تسميتها بمحكمة قضايا الأرض ، بينما المحكمة الجنائية الدولية محكمة حديثة التكوين لم تتجاوز العقدين منذ تأسيسها في ٢٠٠٢م يدخل في إختصاصها بما ورد نصا بالمادة(٥) من ميثاق روما الأساسي من أخطر الجرائم الآتي :
– جرائم الإبادة الجماعية .
– جرائم ضد الإنسانية .
– جرائم الحرب .
– جرائم العدوان .
الفرق بين المحكمتين فالمحكمة الدولية تتبع للأمم المتحدة و تعمل ضمن هيئاتها تحت إشرافها المباشر و تستخدم القانون الدولى بشكل أساس عبر جلساتها بينما الجنائية تحتكم لميثاق روما الأساسي و تعمل ببرتكول مشترك يبرمه بالإنابة عن دول الميثاق رئيس المحكمة الجنائية و بموجبه يصبح للأمين العام للأمم المتحدة هو من يوجه الدعوة لإجتماع الدول الأعضاء لجلسات التداول ، كما يكون رئيساً دائم للمؤتمر الإستعراضي الدوري بناءا للإتفاق المبرم من أشرنا إليه فيما سبق ( وهو مؤتمر تُعرض خلاله التعديلات و وجهات النظر إذ ان طريقة إتخاذ القرارات داخل المحكمة خاضع لصوت الأغلبية ! ) و يجوذ للدول الأعضاء الدعوة لقيام مؤتمر إستعراضي عاجل او طاريء او إستثنائي .
من ناحية الإجراء فللمحكمة الدولية آلية لتنفيذ قراراتها القاضية المتمثلة في الأمم المتحدة و مجلس الأمن ، و بالإمكان تحريك الجيوش لتنفيذ قراراتها من تحت البند السابع و السادس للأمم المتحدة ، فيما المحكمة الجنائية تفتقر لهذه الآلية البوليسية و هي تعتمد وفق النظام الأساسي نفسه على الدول الأعضاء لتنفيذ قراراتها بما توافق به تلك الدول و بما لا يتعارض بقوانينها الداخلية أو نصوص القانون الدولي و لذا نجد ان المحكمة الدولية تجد صعوبة بالغة بل عاجزة عن تنفيذ القانون بجانب معارضة معظم الدول الكبرى لهذا الميثاق و عدم الإنضمام إليه كما ستوضح لنا الصورة المرفقة أدناه .
لميثاق روما مشاكل عديدة، لما تعلمون أنه غير مرحب به في دول كبرى كثيرة و لعل ابرز تبعات ذاك هو الآتي :
المادة ١٥ البند ١، لم تحسم أمر الرفض الصادر عن الدائرة التمهيدية لإذن المدعي العام للمحكمة الجنائية للبدء في إجراء التحقيق و بالتالي أمر التحقيق يكون مرتهن لقرار الدائرة التمهيدية التي تعلقت بالدول الأعضاء البالغين حتى كتابة هذة السطور ١٤٧ دولة و أنها تضع في إعتبارها تقارير الدول المرفقة…!! شيء مرهق للغاية .
اما بالنظر للتهم الموجهة نفسها فالمادة ١٥ البند ٢ يشكل عائق آخر إن لم يكن المستحيل نفسه لأنها تعلق أمر الإدانة لمصادر المعلومات الإضافية و التي الحكومة مصدراً اساسي فيها ، خصوصاً و أن البشير متهم تحت المواد ( ٨/٧/٦) بالإضافة للمادة (ه) التي كانت ترغب الحكومة المصرية في رفعها ضد الجنرال بشة لمحاولته إغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس ابابا ١٩٩٥م من قبل جهاز الأمن السوداني و لكن إُسقطت بمفعول المادة ١٢٤ ، و عليه هذه المواد على الأرجح ستلاقي نفس مصير المادة ٥ التي حاول يرفعها السيسي في وصيفه بشة … و عليه لا تستغربون حينما تعود لجنة التحقيق الدولية الحالية بالخرطوم بخفي حنين ، فقط مقابلتهم للبشير و إرضاء لمشاعركم البريئة التي أهملت حقوقها و صارت تقابض في الوهم .
المحكمة الجنائية ستجد نفسها مضطرة لتقليص التهم الموجهة حسب منطوق المادة ١١، إذ ليس للمحكمة أي إختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي إرتُكبِت بعد نفاذ ميثاق روما الأساسي ، و أن هذا الميثاق لم يكون نافذ على السودان إلابعد مرور ٧ أعوام و واحد و ستين يوماً و عليه حتى لو فرضنا أن المحكمة تأسست في ٢٠٠٢م و السودان وافق على القانون في ٢٠٠٣م و القانون سيكون نافذ على السودان في ٢٠١٠ أي بعد حدوث ٩٠٪ من المجازر الجماعية الرهيبة التي تمت في حق أهل دار فور و عليه ستكون الدائرة التمهيدية او هيئة الإدعاء مضطرين لإسقاط تلك أكبر جرائم القتل و على الأرجح سيحاكم البشير بما خف وطأه و هذه هي خباثة التلاعب بالقوانين و النصوص … او هنالك خيار آخر وهو نسبة لعدم كفاية الأدلة و البراهين سيطلب رئيس المحكمة مزيد من المعلومات و قد حدد القانون مصادر هذه المعلومات ٨٠٪ الحكومة نفسها بينما المصادر الحرة كالأفراد و الضحايا أشك لو تركتهم الإنقاذ على قيد الحياة حتى الآن .. و عليه ارغب في تنبيه الناشطين العمل بعجالة لهذا المرحلة لان المحكمة سوف تطلب معلومات و إن لم توفروها راحت في ٦٠ .. و عليه يجب رفع أدلة جديدة آهلة حتى لا ينتهي المقام ببشة الإقامة بفيلة باليمامة او شقة بحرية في إقليم كوزيكا المعزول بفرنسا .
المشكلة الأخيرة لميثاق روما ، المشكلة الإجرائية، فالمادة ٩ المسمى أركان الجرائم الفقرات (أ، ب، ج) من البند ٢ تعطي حق التعديل لأركان الجريمة الموجهة للمجلس العمومي و هنا بالإمكان القول شراء بعض الأصوات ، صحيح لا يكون بوسع الكيزان شراء كل هذا الكم من الدول و الذي حتى بلوغ مستوى التصويت لصالحهم يتطلب شراء ما لا يقل عن ٦٠ دولة من بين ١٢٣ عضو رسمي و ٣٤ غير رسمي و لكن الحقيقة ليس كذاك أي نقصد ان الكيزان ليسوا بحاجة لشراء هذا الكم من الدول لمجرد أعدنا النظر مراراً للمادتين (١٠ و ١٦) فالمادة ١٠ تعطي اولوية القرار للقانون الدولي و تغييراته بينما هذا القانون الدولي يخضع للأمم المتحدة بينما الأمم المتحدة تخضع لقرارات مجلس الأمن و مجلس الأمن يخضع لمجلس الفيتو الذي يتكون من خمسة أعضاء أهم ثلاثة منهم ( USA و روسيا و الصين) غير مصادقين على ميثاق روما بل بعضهم لن يوافق اصلاً و جميعها لهم صداقات ودية البترول تستخرجه الصين من جبال النوبة و اليورانيوم تنقبه روسيا بدار فور و على الأرجح ستكون هناك شراكة روسية امريكية الأولى في تأريخ ما بعد الحرب الباردة .. من هنا تبدو خطوط اللعبة برزت بوضوح للجميع فمجلس الفيتو تتكسر عنده جميع قوانين الكون و لوائحهه تسري على أي دستور .!! و لا يوجد داعي للتفصيل أكتر لعدم التطويل .. و هنا سيظهر الدور القطري لانها ضمن أعضاء اللجنة ١٥ لمجلس الأمن و الذي سنفصله في الحلقة القادمة .
حاجة إخيرة لسعادة حمدوك الذي يدعي براءة الذئب عن إبن يعقوب.. المادة ١٦ تعطل عمل ميثاق روما لأن ميثاق روما يتم تعطيل العمل به في وجود البند السابع و السادس بأي دولة ، فالسؤال لماذ ذهب حمدوك للمطالبة بالبند السادس و هو كموظف سابق لدى الأمم المتحدة يدرك بأنها ستعطل محاكمة البشير فهل البند السادس سيحل مشكلة طعام و خبز و وقود أم كان يرغب بحل مشكلة بشة !!
أخيرا لا نظن السوء و لكن المحكمة الجنائية منذ تأسيسها في ٢٠٠٢ و حتى الآن لم تقدم سواء ٩ دعاوي فقط .. أقل عن ما تقدمه محكمة أمبدة في دعاوي الشرع و المحاكم المدنية خلال ثلاث ساعات.!!
كما أن جميع هذه الدعاوي على الرغم من الجرائم حول العالم و في أفريقيا تحديداً إذ إن من بين ثلاثة زعيم أفريقي هناك زعيمين ونصف منهم مجرم حرب و مركتب جرائم ضد الإنسانية و الإبادات عرقية مع كل هذا الحجم لم توجه المحكمة سواء ٩ دعاوي لاربعة دول افريقية يوغندا ، افريقيا الوسطى ،. الكنغو ، السودان ! ناهيك عن العالم المخضب بالدماء .
إنها أزمة الإنسان العاقل .. يا سادة .
أخيراً لا نرغب بتحطيم أحد و لكن فقط كنا نريد أن نكشف لكم حقيقة واقعكم و لماذا تتبدل الأشياء و لا تتحسن !!
حتى لا تكون محاكمة بشة مجرد مساومة نفسية مع ذواتكم
هذا لأنكم لا تعملوا لا تجتهدوا و تركنون للخمول بدلا خدمة قضاياكم
نواصل في المقال نمرة (٢) القادم

