الخرطوم – صوت الهامش
قال الباحث والكاتب، أبكر ادم إسماعيل، ان السودان فضاء اجتماعي ثقافي، غير منسجم قائم على أساس التنوع والتعدد، وانه لابد من فتح الأذهان لبناء تصورات حقيقية للواقع لإجاد الحلول الحقيقية الصراع فيه، بعيدا عن أساليب الأفكار الرغبوية.
وتابع بالقول “ان الخطابات المركزية جعلت غالبية الناس تفهم الصرع في السودان على انه صراع حول السلطة والثروة، مضيفا ان الصراع في السودان يمتد حول المعرفة والمصطلحات، ان الناس تبني أفكارها لأجل بناء سلطة سابقة حول الكراسي والثروة.
وقال إسماعيل لدى مشاركته في ندوة اقامتها الجالية السودانية بالولايا المتحدة الامريكية، ان المعرفة ليست محل اتفاق، وهذا ما يجعل الناس تعرف الأشياء في أي حلبة من حلبات الصراع، حسب نظرها، للمساعدة في حل المشاكل بصرف النظر عن نتائجه.
وأوضح ان لدى المركز، نماذج تفكير تلعب وظائف في حلبة الصراع، وله مسلمات، وانه لابد من ان يبدا النقاش منها، ثم الدخول في مناقشة قضايا المجتمع.
وقسم إسماعيل الصراع في السودان، على مستويين، حيث المستوى الأول هو صراع البنية الفوقية “صراع المركز” وهو ما سماه “ورثة الامتيازات” الذين يتصارعون بعضهم حول السلطة والثروة في قمة الحرم الاجتماعي، وينقسمون لـ “يمين ويسار، او إسلاميين وعلمانيين” ولهم حاضنة اجتماعية تتمتع بامتيازات على بقية الحواضن الاجتماعية في السودان .
وأشار أن هذا الصراع ولد نموذج تفكير لحل المشاكل وفقا لنظرتهم وان وسائل الإعلام تتصدر خطاباتهم، بينما الهامش يصبح قوى اجتماعية لورثة الامتيازات، وفي نهاية المطاف يظل الصراع فوقي بينهم.
بينما المستوى الثاني من الصراع هو صراع البنية التحتية “صراع المركز والهامش” او صراع ورثة المظالم ضد ورثة الامتيازات.
وقال ان خطاب المركز، خلال ثورة ديسمبر، شخص مشاكل السودان على انها سببها النظام البائد “الكيزان”، بينما الصراع الحقيقي، هو الصراع بين المركز والهامش، وان الكيزان ليسو سببا للمشاكل في السودان، بل نتيجة لها.
وتابع بالقول: ان الكيزان مجرد فئة من فئات “الاسلاموعروبية” التي شكلت الحاضنة الاجتماعية للحكومات التي مرت على تاريخ السودان بعد الاستقلال، وان اسلاموعروبية وفرت الامتيازات لمجموعات إثنية وثقافية وجغرافية محددة.
وأردف “ان سقوط فئة معينة من الحاضنة الاسلاموعروبية التي اتت بالإسلاميين تارة وعلمانيين تارة أخرى للسلطة، لا يعني حدوث التغيير في السودان، ولابد ان يفهم الناس المشاكل في السودان ليتم تحديد الحل، وليس بالبساطة التي تتحدث عنها الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأعتبر الكيزان من أكثر فئة تأهيلا ايدلوجيا وتنظيميا، للدفاع عن الاسلاموعروبية لأنها باتت تواجه تهديد خطر من قبل خصومها في حلبة الصراع في السودان، لأسباب تتعلق بنهوض الهوامش، وظهور أجيال جديدة وانتقال الناس من الريف للمدن واحتكاكهم بمشكلات السلطة لذلك فُتح لها الباب للوصول الي السلطة.
وقال “الناس الذين يتمتعون بالامتيازات لديهم الفرصة للوصول الي السلطة بصورة أكبر، وتمنع الأخيرين من حيازة السلطة في حلبة الصراع في الحرم الاجتماعي بالسودان، مبينا ان عدم المساواة الهيكلية مثلت المشكلة الأساسية في السودان، وولدت العنصرية والحرب ومشاكل أخرى، واستبعدت جماعة كاملة، عن السلطة والترابية الاجتماعية.
وتابع قائلاً “الحكام يمارسون السلطة، وفقا لامتيازات “إثنية وثقافية وطبقية وإقليمية”، وأدى ذلك لخلق موانع هيكلية لبعض الفئات لحيازة السلطة والثروة في السودان”، وأردف بالقول: “توقف ولا يمكن ان يستمر” وان الحرم الاجتماعي القائم على أساس جدلية المركز والهامش، لابد ان ينهدم، بعيدا عن تقسيم الناس لورثة امتيازات واخرين ورثة مظالم.
وشدد على ان التغيير الجذري في السودان حتمي، والثورة قامت ضد الامتيازات، ولابد ان يقدم ورثة الامتيازات تنازل، ليكون جميع الناس شركاء في السودان، بعيدا عن تصنيفهم لـ “سادة وعبيد” وان هذا المبدأ يؤسس للسودان الجديد، وفي حال عدم قبول ذلك يهدد بتلاشي السودان.
ونوه ، ان لون البشرة في السودان، بات يشكل امتيازا، مستشهدا بحالة -عدم قبول نساء ذوات اللون الأسود في التلفزيون القومي السوداني-وان الدولة تمثل الهيئة البشرية في احتكار العنف المادي والمعنوي، وهذا ما يجعل الناس الذين حملوا السلاح ضدها لا يسملوا سلاحهم لها، دون حل مشاكلهم.
وأضاف ان نمط الاقتصاد السائد في السودان منذ استقلاله، هو نظام “الريع العشائري” او ما يسمى بـ “الاقتصاد الإسلامي” وهو نظام اقتصادي عبودي، ولا يمكن تبريره داخل الاقتصاد الا بالدين، وهذا جوهر العبودية، ودلتها استبدادية وفي ظل وجودها لا يمكن بناء دولة ديمقراطية.
وذكر ان المعارضة التي تتفاوض مع الحكومة الانتقالية السودانية، تتحدث عن عملية تقسيم السلطة والثروة، بينما الحركة الشعبية تتحدث عن القضايا، وهي “طبيعة الدولة السودانية، وعلاقتها الدين” وان الحديث حول السلطة والثروة يكون بعد الاتفاق على تلك القضايا الرئيسة، وبعد الاتفاق عليها سيتم الذهاب لخطوات أخرى.
ونوه الي ان وفد الحركة المفاوض طالب ببناء “سودان علماني، ديمقراطي موحد طوعيا على أساس الحرية والعدالة والمساوة” والغاء كل السياسات التي مورست منذ استقلال، خاص سياسة التعريب وإلغاء الشريعة الإسلامية، وإذا لم يتم الاتفاق على ذلك ستطالب بحق تقرير المصير، لكل الشعوب السودانية، وتحقيق العدالة التاريخية، لإعطاء كل سوداني تعرض للظلم عبر التاريخ البلاد، وجبر الضرر، لجهة عدم انتاج الازمة جديدة.
معبرا عن عدم تفاؤله بعدم الوصول للسلام من خلال المفاوضات الجارية بجوبا، متهما نافذين في السلطة بامتلاك أجندة خارجية، تحول دون حل الأزمة في السودان، بيد انه شدد على ضرورة الترتيبات الأمنية، لبناء جيش وطني جديد بعقيدة قتالية لا تقوم على أساس قتل السودانيين، ليحدث توازن بينهم.