بقلم عثمان نواى
ان ظاهرة القونات ليست بظاهرة جديدة فى المجتمع السودانى ،ولكنها اتخذت أبعاد جديدة تماما فى السنوات العشرين الأخيرة. مع صعود صاروخى للقونات من ما يسمى بقاع المجتمع الى أعلى الطبقات الإجتماعية لتقديم وسيلة الترفيه والاحتفال الموسيقي الأولى والاكثر شعبية فى كل المناسبات والبيوت السودانية على اختلاف مستوياتها المادية وانتمائاتها القبلية وحتى اختلافاتها الثقافية و اللغوية. فذكاء القونات حولهن لقوة الترفيه الجماعى الأولى بلا منازع فى السودان.
كون ان القونات نساء بالدرجة الاكبر فان ذلك يعطيهن بعدا اكثراهمية لكونهن واجهن تحديات كبيرة فى سبيل الاستمرار فى الصدوح بأصواتهن القوية. وقد واجهت القونات حملات العنف الكبيرة من النظام البائد عبر شرطة النظام العام التى فرضت عليهن الاتاوات وعرضتهن للسجن والاهانة فى اوقات كثيرة خاصة بداية التسعينات. ونسبة لافريقية ايقاعات الموسيقي التى تستخدمها القونات فإنهن تعرضن لاشكال عدة من التمييز، تزداد درجتها مع حقيقة خروج معظمهن من الأحياء الاكثر فقرا فى العاصمة وكل مدن السودان.
فغناء القونات المرتبط أيضا بغنا البنات، كثيرا ما تعرض للهجوم والانتقادات والنظرة السلبية. غير ان هذا الغناء بشكل كبير يمثل فنون تسمى بالاندر جرواند underground ،اى فنون تأتى من تحت الارض بمعنى من الطبقات الدنيا فى المجتمع او أيضا من المجموعات المهملة التى ليس لها سلطة او قوة اجتماعية. لذلك تعبر عن نفسها خارج اطار القنوات الرسمية والمفتوحة او ال main stream. وهذا لا يختلف عن غناء الراب والهيب هوب فى أمريكا الذى كان يعتبر موسيقي السود المرفوضة اجتماعيا. وهى تحمل معانى لا تختلف كثيرا عن غناء البنات والقونات فى السودان. مثلا بيونسيه كأحد اهم المغنيات السود فى أمريكا تغنى بطريقة هى اشبه لغناء القونات فى كثير من أغنيات الهيب هوب( مثلا الأغنية ادناه مع ترجمة متخيلة بصوت قونة). رغم ان الكلمات فى اوقات أخرى تكون عميقة ومعبرة عن قضايا شديدة الأهمية كما تفعل الكثير من القونات فى اغانى كثيرة عبرت عن قضايا اجتماعية واقعية وحساسة وسياسية أيضا.
مثلا اغنية بيونسيه اول ذا سينجل ليديز تشبه كثيرا غناء كثير من القونات خاصة فى الأداء والحماس ومشاركة الجمهور وحتى الكلمات البسيطة والجريئة أيضا.
Give it up for my sister!
All right now
Everybody put your hands together
Do we have any single ladies in the house tonight?
All the single ladies اغنية لبيونسيه
ترجمة بصوت القونات
الصفقة لى اختنا
ايوا كدة تمام
كلكم يلا الصفقة فوق
وين السناجل فى الحفلة الليلة ..
ونجد انه من أهم أسباب فعالية وقوة غناء القونات هو التفاعل الحى والمباشر مع الجمهور ، واشتراك الجمهور فى الأداء نفسه بالصفقة او حتى بترديد بعض العبارات. من ناحية أخرى فإن القوة الأكبر لهذا الغناء تأتى من حقيقة بساطة الكلمات وكونها تعطى رسائل مباشرة بلغة واضحة. ولكن اهم عناصر قوة غناء القونات يكمن فى المواضيع التى تخترق عميقا كل أزمات المجتمع السودانى، خاصة تلك المتعلقة بالعلاقات العاطفية، حيث تعبر اغانى القونات بدرجة واضحة عن كل ممارسات المجتمع وتعطيها اسماء واشارات تحولت الى مفردات اجتماعية مثل ” الشلب” مثلا( وهو يعنى إقتلاع الشريك/ة من شخص آخر ). وهى قضية مجتمعية موجودة لا ينكرها الا مكابر. ونجد أيضا ان غناء ابونات قد احيا الكثير من الموروثات الاجتماعية للترفيه والاحتفال الجماعى ذو الطابع الأفريقي، بما فى ذلك إعادة انتاج الزار بشكل عصرى واكثر ترفيها. لكن قدرة القونات على التعبير عن احتياجات ورغبات الناس العاديين وصلت الى كل قضايا المجتمع حتى أصبحت جزء من أصوات الثورة الأخيرة في ديسمبر. فللقونات سرعة استجابة عالية للأحداث فى المجتمع السودانى. و لهن مواقف مشهودة غى دعم عملية التغيير والتبرع بالاموال والاسهام الفنى فى الترويج لشعارات الثورة. وقد تمكن من تحريك جماهير كبيرة ربما اكثر من قدرة بعض الأحزاب السياسية للحشد الشعبى. خاصة المجموعات البعيدة عن السياسة بشكل يومى.
وقد أصبحت القونات قادرات على صناعة التوجهات الاجتماعية فى مجالات كثيرة بما فى ذلك الموضة والازياء والتعبيرات اللغوية وظواهر كثيرة منها الموجب والسالب. ومن اهم أدوارهن هى اعالة العدد الكبير من الأسر التى تعتمد على هؤلاء النساء إضافة الى اعمالهن الخيرية التى تغطى فئات كبيرة لا تصل إليها كثير من المؤسسات الخيرية، كما ان القونات قادمات من كل ثقافات واقاليم السودان، فاستطعن تشكيل لوحة من التنوع والوحدة فى ذات الوقت بين كل المجتمعات السودانية، واضفن مساحة واسعة لقدرة النساء على قيادة الأوضاع الاجتماعية. ولكن الأمر الأكيد ان أصوات القونات الصادحة والعابرة لكل طبقات المجتمع السودانى هى إحدى اهم أشكال التحولات التى يشهدها المجتمع السودانى ، خاصة وان قدرة هؤلاء النساء على اختراق أجهزة الإعلام الرسمية والفضاء العام عبر حفلات جماهيرية واخرى فى صالات مغلقة خاصة بالنساء تصنع موجة من الإنتاج الترفيهي ذو العائد المادى الكبير، الأمر الذى يحول غناء القونات الى احد اهم صناعات الترفيه فى السودان. ويجب النظر الى القونات وإنتاجهن كصناعة ترفيه لها قدرة على التحول الى قطاع اقتصادى قوى يرفع الكثير من المشاركين فيه من الطبقات الفقيرة الى اوضاع اقتصادية افضل. مثلما تم النظر الى الراب والهيب هوب فى أمريكا واصبحت اكثر موارد الترفيه والموسيقى ادارارا للدخل للفنانين والاقتصاد الامريكى بشكل عام. ان الاعتراف والنظر للقونات كجزء من أصوات التغيير والتعبير الحقيقي الغير مزيف عن واقع مجتمعنا إضافة الى القيمة الفنية والاقتصادية، يجب ان ينهى اى أشكال من النظرة السلبية ويقبل بقدرة المجتمع على صناعة وسائل التواصل فيما بينه وأيضا الترفيه عن نفسه وصناعة وسائل ترقى اجتماعى وتطور اقتصادى مختلفة ومتنوعة. وقد صنعت مساحات السوشيال ميديا مساحات بديلة للتعبير عن الرأى، وفرضن قدرتهن الى الوصول الى الناس على أجهزة الإعلام الرسمية رغم المنع والتقليل والنقد. ومع ثورة التغيير التى كانت القونات جزء مؤثر فيها نجد ان الساحة الاجتماعية والسياسية فى اطار البحث عن الاقتراب امقر من الواقع ربما تكون أصوات القونات اكثر قربا من التعبير هن المجتمع السودانى من أصوات مثير من السياسيين مما قدرتهن على الحشد ربما تفوق قدرات كثير من الأحزاب وربما مقبل الايام وفى انتخابات قادمة نرى القونات فى مقدمة العمل الحقيقي للتغير بشكل أفضل من مرشحين آخرين. ولذلك يجب ان نحترم كل ما ينتجه مجتمعنا من وسائل للتعبير عن نفسه وفتح مساحات الحرية لكى يعيد المجتمع السودانى ابتكار نفسه وحلحلة أزماته من جديد.
nawayosman@gmail.com
