كتب / محمد عثمان جبريل
في مشهد يعكس قسوة الواقع وتعقيدات الحرب في السودان، أقدمت مليشيا الدعم السريع على إرجاع ما لا يقل عن ثلاثين طالبًا من مدينة نيالا، كانوا في طريقهم إلى مناطق سيطرة الجيش لأداء امتحانات الشهادة السودانية، بل واعتقلت بعضهم فقط لأنهم تمسكوا بحقهم في الجلوس للامتحان.
هذا السلوك ليس حادثة معزولة، بل هو ديدن متكرر يعكس رؤية خطيرة تقوم على تهميش التعليم وتكريس الجهل. فالمليشيا، التي لم تجعل من التعليم يومًا أولوية، تتعامل بعقلية تُقدّس الانتماء الضيق وتُصعّد غير المؤهلين، في نموذج قيادي لا يرى في المعرفة طريقًا للمجد، بل يعتبرها أمرًا يمكن تجاوزه أو حتى الاستغناء عنه.
الأخطر من ذلك، أن أبواق هذه المليشيا لا تضع معاناة الطلاب ضمن اهتماماتها، بل تمضي في تضليلهم عبر الترويج لفكرة إقامة امتحانات بديلة تحت إشرافها. وحتى لو تم ذلك، فلن يكون سوى إجراء شكلي بلا قيمة حقيقية، لا يُعترف به أكاديميًا ولا يفتح بابًا لمستقبل، لا داخل السودان ولا خارجه.
وفي الوقت الذي تُغلق فيه الطرق أمام الطلاب، وتُقمع محاولاتهم للوصول إلى مراكز الامتحان، تكون المليشيا قد ساهمت بالفعل في تدمير البنية التعليمية بالكامل. جامعات توقفت، ومدارس أُغلقت، وحتى المؤسسات الكبرى مثل جامعة نيالا لم تسلم من هذا الانهيار، حيث اضطرت لمواصلة نشاطها من ولاية النيل الأبيض هربًا من التدهور الأمني والفوضى.
النتيجة واضحة ومؤلمة: الجميع يهرب… الطلاب، الأساتذة، وحتى المؤسسات التعليمية نفسها. وما يُزرع اليوم من جهل قسري، ستدفع ثمنه أجيال كاملة في دارفور وكردفان، حيث يُصنع واقع يُقصي الشباب من التعليم ويدفع بهم نحو مستقبل مجهول. إنها ليست مجرد أزمة طلاب، بل جريمة في حق مجتمع بأكمله.
