كتب / محمد عثمان جبريل
الهجوم الذي شنّته قوات الدعم السريع على مستريحة، معقل موسى هلال، لم يكن عملية عسكرية عابرة، بل لحظة فاصلة في صراع النفوذ داخل البيت الدارفوري نفسه. فمستريحة ليست مجرد بلدة، بل رمز لزعامة تقليدية ممتدة الجذور، واستهدافها يعني كسر الرمزية قبل كسر القوة، وإرسال رسالة حاسمة بأن لا مركز نفوذ خارج السيطرة.
الهجوم في جوهره كان تصفية حسابات داخلية بغطاء عسكري؛ إعادة ترتيب لمعادلة القوة بالقوة، وتثبيت لاحتكار السلاح والقرار. لكنه في المقابل كشف هشاشة التماسك الداخلي، لأن أي صراع حين ينتقل من مواجهة “الخصم الخارجي” إلى كسر الشركاء أو المنافسين داخل الحاضنة نفسها، فإنه يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً.
ما رافق العملية من نهب وانتهاكات جسيمة، خاصة بحق النساء، لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل مؤشر خطير على تآكل الانضباط وتحول القتال إلى فوضى غنائم. هذا النوع من السلوك لا يمر بلا أثر؛ فهو يخلق تصدعات داخل صفوف المقاتلين أنفسهم، ويحوّل الدوافع من شعارات سياسية إلى مكاسب آنية، ويضعف ثقة المجتمع المحلي في أي خطاب يُرفع باسم الحماية أو التحرير. وعندما تتآكل الأخلاق الميدانية، يتآكل معها تماسك القوة على المدى البعيد.
مقتل نجل موسى هلال أضاف بعداً أكثر خطورة. في بيئة قبلية تقوم على الاعتبار والدم، لا يُقرأ الحدث كخسارة عسكرية فقط، بل كثأر مفتوح. وهنا تصبح احتمالية المواجهة مجدداً قائمة بقوة، مدفوعة بدافع شخصي وقبلي مضاعف. هلال يمتلك تاريخاً من القدرة على الحشد واستنهاض الولاءات، وإذا قرر تحويل مقتل نجله إلى راية تعبئة، فقد نشهد إعادة تجميع لقواته، أو تحالفات ظرفية تعيد خلط الأوراق، بما يفتح جبهة داخلية تستنزف الجميع.
الأخطر أن منطق كسر المراكز المنافسة قد لا يتوقف عند مستريحة. فالمناطق الخاضعة لنفوذ عبد الواحد محمد نور في طويلة ونرتتي، والتي ترفض فكرة تأسيس كيان موازٍ للحكومة المركزية، تمثل عقبة سياسية أمام مشروع إعادة تشكيل السلطة خارج الإطار الرسمي. ومع غياب التوافق، تظل احتمالية استهداف تلك المناطق قائمة، سواء للضغط السياسي أو لفرض أمر واقع بالقوة. وأي خطوة من هذا النوع ستعني توسيع دائرة الصراع، ونقله من تنافس نفوذ إلى مواجهة مفتوحة بين مشاريع متعارضة داخل الإقليم.
معركة مستريحة، إذن، لم تكن نهاية فصل بل بداية طور أكثر تعقيداً. حين ينقلب السلاح على حاضنته، وحين تتحول الخلافات السياسية إلى مواجهات دامية، يصبح الصراع قابلاً للتشظي إلى صراعات أصغر لكنها أشد خطورة. وما يبدو اليوم حسمًا سريعًا قد يتحول غداً إلى سلسلة ارتدادات داخلية، عنوانها صراع الداخل حين يبتلع نفسه.
