في أزمنة النزاعات المسلحة، لا تتوقف المعاناة عند حدود النزوح وفقدان المأوى، بل تمتد لتطال أبسط حقوق الإنسان وأكثرها أهمية، وعلى رأسها الحق في التعليم. وفي مثل هذه البيئات الهشة، تتحول المدرسة من مؤسسة تعليمية إلى مساحة مقاومة للحياة، ومحاولة مستمرة للحفاظ على المستقبل وسط واقع ينهار بسرعة.
في هذا السياق، تبرز قصة الطالبة السودانية مياز، التي وجدت نفسها، مثل آلاف الأطفال الآخرين، داخل دائرة الحرب والنزوح التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب، قبل أن تقودها الظروف إلى مخيمات اللاجئين في تشاد.
تقول مياز: “أعلم أن العودة إلى السودان تنطوي على مخاطر، لكنني سأفعل كل ما يلزم لمواصلة تعليمي، أينما كنت.”
جملة قصيرة، لكنها تختصر مساراً طويلاً من القلق والانقطاع وعدم اليقين، الذي يرافق حياة الأطفال المتأثرين بالحروب.
لم تكن رحلة مياز إلى تشاد مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالاً قاسياً بين عالمين؛ الأول فقدت فيه الاستقرار والمدرسة والأسرة بشكل متقطع، والثاني حاولت فيه إعادة بناء ما يمكن إنقاذه من مستقبلها التعليمي. وبين المرحلتين، كانت الحرب تفرض إيقاعها الخاص على تفاصيل الحياة اليومية.
وبحسب تقديرات منظمات دولية، فإن نسبة كبيرة من الأطفال اللاجئين في العالم تنتمي إلى دول تشهد نزاعات طويلة الأمد، ويأتي السودان ضمن أكثر الحالات تعقيداً في الإقليم، في ظل استمرار الحرب واتساع رقعة النزوح داخلياً وخارجياً، ما جعل التعليم واحداً من أكثر القطاعات تضرراً.
في مخيمات اللاجئين داخل تشاد، لا تبدو البيئة التعليمية تقليدية بأي شكل. فالفصول محدودة الإمكانيات، والموارد شحيحة، والاحتياجات الإنسانية تتقدم على كل شيء. ومع ذلك، يحاول الطلاب الحفاظ على مسارهم الدراسي رغم الظروف القاسية التي تحيط بهم من كل جانب.
وسط هذا الواقع، واصلت مياز استعدادها لامتحانات الشهادة الثانوية السودانية، التي نُظمت داخل الأراضي التشادية بترتيب مشترك بين السلطات التشادية والسودانية، في خطوة هدفت إلى تمكين آلاف الطلاب اللاجئين من مواصلة تعليمهم وعدم فقدان فرصهم الأكاديمية بسبب الحرب.
وقد استفاد من هذه الترتيبات نحو 5,000 طالب وطالبة من اللاجئين، في تجربة تعكس حجم التحدي اللوجستي والإنساني المرتبط بالحفاظ على التعليم في مناطق اللجوء، حيث يتقاطع البعد الإنساني مع الاعتبارات التعليمية في بيئة غير مستقرة.
وقد لعبت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وشركاؤها دوراً محورياً في دعم العملية التعليمية، من خلال توفير دروس تحضيرية، وجلسات دعم نفسي واجتماعي، إلى جانب المساعدة في النقل وتنظيم العملية الامتحانية، بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار للطلاب أثناء فترة الامتحانات.
ورغم كل هذه التحديات، جاءت النتيجة بالنسبة لمياز بمثابة نقطة تحول في مسارها الشخصي. فقد حصلت على المرتبة الأولى في مركزها الامتحاني، في إنجاز يعكس قدرة التعليم على الصمود حتى في أكثر البيئات هشاشة.
لكن هذا النجاح الفردي لا ينفصل عن سياق أوسع، إذ تشير اليونيسف إلى أن استمرار تعليم الأطفال المتأثرين بالنزاعات يمثل أحد أهم أدوات الحماية النفسية والاجتماعية، ويسهم في تقليل آثار الحرب طويلة المدى على الأجيال الناشئة.
اليوم، لا تنظر مياز إلى نجاحها كغاية نهائية، بل كخطوة أولى في طريق أطول. حلمها أن تصبح طبيبة، في محاولة لتحويل تجربتها مع النزوح والمعاناة إلى دافع لبناء مستقبل مختلف، لا يشبه الماضي الذي فرضته الحرب.
وفي خلفية هذه القصة، يبقى السؤال الأكبر قائماً: كم من الأطفال يستطيعون مواصلة هذا الطريق في ظل استمرار الحرب في السودان، وكم من الأحلام يمكن أن تصمد أمام واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم ؟