كتب / محمد عثمان جبريل
لم يعد أكثر ما يؤلم في هذه الحرب هو الرصاص ولا الجوع ولا النزوح، بل هذا الانحدار الأخلاقي المخيف في خطاب بعض الناس. أن يخرج خطاب من بعض مواطني دلقو (المحس) في الولاية الشمالية يرفض إقامة مراكز إيواء لنازحي دارفور، فهذه ليست مجرد حادثة عابرة، بل علامة واضحة على خلل عميق بدأ يضرب وجدان المجتمع نفسه.
هؤلاء النازحون لم يأتوا من خارج الحدود، لم يعبروا بحارًا ولا تسللوا عبر دول، هم سودانيون اقتلعتهم الحرب من بيوتهم، دفعوا أثمانًا لا يتخيلها من يتحدث الآن عن “عدم التشابه” في الشكل والثقافة. كأنهم ذهبوا إلى نزهة ثم قرروا العودة محملين بالمأساة. هذا الخطاب لا يكتفي بالرفض، بل يحاول أن يعيد تعريف من هو السوداني ومن هو الغريب، وهذا أخطر من الحرب نفسها.
منطق “لا يشبهوننا” منطق عنصري صريح، لا يحتاج إلى تجميل. منذ متى كان السودان نسخة واحدة؟ منذ متى كان اللون أو اللهجة أو العادات معيارًا للانتماء؟ دارفور التي يُراد اليوم عزلها هي نفسها دارفور التي صنعت جزءًا أصيلًا من تاريخ هذا البلد، وهي نفسها التي يخرج منها الآن مقاتلون في الصفوف الأمامية. فهل هؤلاء لا يشبهونكم أيضًا؟ وهل تقبلون أن يحملوا السلاح دفاعًا عنكم بينما ترفضون استقبال أسرهم؟
وقبل أن يتحدث أحد عن الخوف أو الضغط أو عدم القدرة على الاستيعاب، هناك سؤال بسيط ومباشر لا يمكن الهروب منه: قبل فك حياد “المشتركة”، عندما كانت المليشيا مسيطرة على الخرطوم، وقريبة جدًا من شندي، ومتمددة في كل الجزيرة، لماذا لم نسمع هذه الأصوات؟ لماذا لم يظهر هذا “القلق” ولا هذا “الرفض”؟ لماذا لم يُطرح سؤال الهوية والانتماء إلا عندما أصبح النازحون من دارفور هم من يطلبون المأوى؟ هذا التوقيت وحده يكشف أن الأمر ليس مجرد ضغط ظروف، بل انتقائية واضحة تحمل في داخلها تمييزًا لا يمكن إنكاره.
والمؤلم أكثر أن هذه الحالة لم تعد معزولة، فحتى في الجزيرة بدأت تظهر ملامح جحود مشابهة، رغم أن أبناء دارفور كانوا جزءًا من الدفاع عنها. هذا النكران لا يمكن تفسيره إلا بأنه نتيجة خطاب مسموم تُرك لينتشر بلا مواجهة.
ثم نأتي إلى الدولة، الغائبة حضورًا والموجودة صمتًا. لا توجد أي جدية في مواجهة هذا الانحدار، لا خطاب واضح يجرّم العنصرية، ولا خطوات عملية لوقف من يزرعون الفتنة. تُرك المجال مفتوحًا لكل من يريد أن يعبث بوحدة المجتمع، وكأن الأمر لا يعني أحدًا. هذا ليس حيادًا، هذا تخلٍ كامل عن المسؤولية.
النتيجة الطبيعية لهذا المسار خطيرة جدًا، ليس فقط اجتماعيًا بل حتى عسكريًا. عندما يرى المقاتل، خاصة من أبناء دارفور، أن أهله يُرفضون ويُهانون، وأن تضحياته تُقابل بهذا القدر من النكران، فمن الطبيعي أن يتغير كل شيء داخله. لا يمكن أن تطلب من إنسان أن يقاتل من أجل وطن يشعر أنه يرفضه.
الوطن لا يقوم على الشعارات ولا على الجغرافيا فقط، بل على الإحساس بالعدالة والانتماء. وإذا استمر هذا الخطاب، واستمر الصمت الرسمي، فإننا لا نتجه فقط نحو انقسام اجتماعي، بل نحو تفكك حقيقي. المشكلة لم تعد في الحرب وحدها، بل في ما تتركه الحرب داخل النفوس، وإذا تُرك هذا السم ينتشر، فلن يبقى شيء اسمه السودان كما نعرفه.
