كتب / محمد عثمان جبريل
لم تكن عودة جمهورية السودان إلى منظمة الإيغاد حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل شكّلت ضربة سياسية قاصمة لكل محاولات شرعنة التمرد، ورسالة إقليمية واضحة بأن الرهان على المليشيا كان رهانًا خاسرًا منذ لحظته الأولى. فهذه العودة تعني، بوضوح لا يحتمل التأويل، انتهاء مرحلة العبث السياسي داخل الإقليم، وانكشاف الأدوار التي سعت إلى فرض واقع مصطنع على حساب سيادة الدولة السودانية.
في بدايات الحرب، شهدنا مشهدًا شاذًا ومخزيًا تمثل في فتح بعض منصات الحوار الإقليمي أمام قيادات مليشيا متمردة، تتنقل بين العواصم وتُقدَّم كطرف سياسي، في تجاوز فجّ لكل الأعراف الدبلوماسية، وضرب صريح لمبدأ سيادة الدول. ولم يكن انسحاب السودان من الإيغاد آنذاك موقفًا انفعاليًا، بل خطوة سيادية محسوبة لفضح هذا الانحراف السياسي، ورفض تحويل المنظمة الإقليمية إلى مظلة تمنح التمرد اعترافًا مجانيًا.
غير أن الوقائع على الأرض كانت أسرع من حسابات الداعمين. فمع توالي الجرائم والانتهاكات المروعة التي ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين من قتل واغتصاب ونهب وتطهير عرقي، سقط القناع بالكامل، وتبددت محاولات تسويقها كـ«قوة سياسية». هذه الجرائم لم تترك مجالًا للمناورة الأخلاقية أو السياسية، وأجبرت العديد من دول الإقليم على مراجعة مواقفها التي قامت على أوهام أو مصالح قصيرة النظر.
وجاءت العودة السودانية إلى الإيغاد تتويجًا لجهد دبلوماسي صلب، أعاد تعريف الأزمة السودانية في إطارها الصحيح : تمرد مسلح ضد دولة ذات سيادة، لا نزاعًا سياسيًا بين أطراف متكافئة. وبذلك أُغلق الباب أمام محاولات الالتفاف على الشرعية، وانتهى زمن تسويق المليشيا داخل المؤسسات الإقليمية.
الأهم من ذلك، أن هذه العودة تمثل اعترافًا غير مباشر بأن تجاوز الخرطوم كان خطأً استراتيجيًا، وأن تجاهل دور السودان في معادلة الأمن الإقليمي لا يؤدي إلا إلى تعميق الفوضى في منطقة القرن الإفريقي. فالسودان ليس دولة هامشية يمكن القفز فوقها، بل ركيزة أساسية في حفظ التوازنات الأمنية ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.
وعليه، فإن عودة السودان إلى الإيغاد ليست مجرد تصحيح مسار دبلوماسي، بل إعلان نهاية مرحلة التضليل السياسي، وانتصار واضح للشرعية على التمرد، ورسالة حاسمة لكل من راهن على تفكيك الدولة من الداخل : السودان يعود إلى محيطه الإقليمي من موقع القوة، لا من موقع المساومة.
