كتب / عبد الهادي عبد الله
لم تكن المسيرة التي أسقطتها الدفاعات الأرضية للقوات المسلحة في سماء مدينة الأبيض اليوم الثلاثاء مجرد قطعة حربية متطورة تسقط في قبضة الجيش، بل كانت ”صندوقاً أسود“ يحمل في أحشائه أدلة إدانة دامغة، تفضح الدور الإثيوبي الذي انتقل من مربع الدعم اللوجستي وتدريب العناصر الإرهابية إلى مربع العدوان العسكري المباشر على السيادة السودانية.
إسقاط مسيرة من طراز ”أكنجي“ التركية بحالة شبه سليمة، وضع أديس أبابا في مواجهة مباشرة مع الحقائق الميدانية التي لا تجملها الدبلوماسية الملتوية؛ فهذا النوع من الطائرات الاستراتيجية لا يملكه في المنطقة إلا دولاً بعينها من بينها إثيوبيا، وتتبع رقمها التسلسلي عبر الشركة المصنعة سيضع النقاط على الحروف، ليكشف للعالم أن ما تنفيه الحكومة الإثيوبية علناً، تمارسه فعلاً عبر انتهاك الأجواء السودانية واستهداف المقدرات الوطنية.
هذا التطور الخطير يأتي بعد أيام قليلة من نفي أديس أبابا تورطها العسكري، وهو نفي بدا مهتزاً أمام تحذيرات وزارة الخارجية السودانية المتكررة. اليوم، تسقط ”أقنعة الحياد“ الإثيوبية، وتنكشف المحاولات اليائسة لتصدير الأزمات الداخلية الإثيوبية المعقدة نحو الجار السوداني، في مقامرة تهدف إلى تفكيك الدولة السودانية إرضاءً لأجندات إقليمية عابرة للحدود.
ولا يمكن قراءة هذا التصعيد بمعزل عن الدور الإماراتي الذي بات مكشوفاً للقاصي والداني؛ فبينما تتهاوى المسيرات الإثيوبية فوق مدننا، تواصل طائرات الشحن الإماراتية هبوطها في مطارات تشاد وإثيوبيا، محملة بالسلاح والمقاتلين الأجانب لرفد مليشيا الدعم السريع الإرهابية. إننا أمام تحالف ”مرتزق“ يسخر كافة إمكاناته السياسية والمالية والإعلامية لاحتلال السودان وتفتيته، مستخدماً إثيوبيا كمخلب قط لتنفيذ هذا المخطط الإجرامي.
إن صمود القوات المسلحة ويقظة دفاعاتها الجوية في البلاد، لم يحمِ السماء فحسب، بل قدم للشعب السوداني وللمجتمع الدولي دليلاً مادياً لا يقبل التأويل على أن الحرب المفروضة علينا هي حرب ”غزو أجنبي“ بامتياز، تُدار بأموال إماراتية وأدوات إقليمية، وأن استقرار المنطقة بات رهيناً بلجم هذه الأطماع التي تتجاوز حدود المنطق والقانون الدولي.
