العـــَودة إلى مــوقف شــــندي (2) …
عبدالباسط الحاج
(1)
إنتقلنا إلى الجناح الشرقي للطابق الثالث و إستقبلنا بعضنا إستقبال القوة و الصلابة و التحدي لتحقيق هذا اللقاء رسالة لن ننكسر لمثل هذا السلوك البغيض لجهاز الأمن نعرفه جيداً و سنهيأ أنفسنا و كيف سنتعامل مع هذا الموقف.
كانت الزنزانات مفتوحة تمامًا و قد تركوا لنا مساحة تشمل الي الزنزانات الأخرى المجاورة عبر الممر فقررت أن اتفقد البقية لأجمع فكرة عامة عن ما الذي يفكرو فيه هؤلاء العصابة …!
فكان اول من قابلته الرفيق (إسماعيل اغبش) الزائر المتكرر لمعتقلات الأمن منذ أن كان طالباً حتى تخرج رغم أنه يسبقنا عمراً و تجربة إلا أنني أعرفه ما يكفي لنتداول الحديث بتلقائية و ما أسهل ذلك ؛ كان معه أربعة آخرين من شباب مجلس الصحوة (نافع / يعقوب / زروقة آخر لا استحضر اسمه) عرفت من بعد أن (حميدتي) يقف عائق أمام إطلاق سراحهم لحسابات أخرى أو نحو ذلك.
(2)
زنزانتين مجاورتين و جدت بها تسعة من المعتقلين تعرفت عليهم من ملامحهم بأنهم من دارفور أربعة منهم تم إقتيادهم سراً من الفاشر إلى القضارف ثبات لا يكترثون لأنهم قد شاهدو الكثير و الفظيع و من خلال تفرسي في الوجوه و بحكم إختلاطي مع الكثير من شعوب هذا الوطن تيقنت أن هناك ما يجمعنا فتبادلنا الحديث بلغة نفهمها جميعنا ليقولو لي أنهم قد فقدو الأمل في الخروج الآن … هذا النظام عنصري وانت تعلم ذلك جيدا.
(3)
عام الزنزانة المجاورة لها و جدت خمسة آخرين وبذات المنوال و معهم صبي أعتقل من السامراب سائق ركشة (أيمن) قد تبادلت معه الأحاديث و عرفت عدد من اقربائه كان شاباً مرحاً و طيباً و بريئا لا يتجاوز عمره (19) عام قال لي أنه تم تمهه في الطريق عندما كان يقود (الركشة) وقد ألصقت له تهمت الموساد كذلك لذات الأسباب.
(4)
بعد الجولة التي قمت بها داخل الجناح الذي أقيم فيه عدت الي الزنزانة لأجد الرفاق كمال و عبد الكريم بتداولون أطراف الحديث و ودابسكر يشاهد التلفاز و يسب للأمن و يحي الثوار بالخارج توصلنا إلى بدء مثل هذا التمييز الذي نحن فيه ينم على شيئ واحد وهو أنهم يفكرون بسوء يتعينون لنا الشر المضاعف أكثر من الذي شهدنا و شهده بقية المعتقلين خاصة عندما عرفنا أن ملفاتنا كلها مرت عن طريق (الأمن الجهوي) فصار جملة عددنا الكلى المعتقلين سياسياً (17) و شباب مجلس الصحوة الثوري كانو يسبقونا في عدد الأيام التي مكثوها هناك.
دخل علينا الاستاذ اسماعيل اغبش يتفقد أحوالنا نتحدث عن ما يؤول إليه الوضع و تجاربه التي مر بها فقد توصلنا الي نتيجة مفادها هي ذات النتيجة التي توصل إليها الشعب في ميدان الاعتصام و الرفاق الذين كانو معنا بالزنازين.
(5)
في ذات اليوم قررنا أن نطالب بالضابط المسؤول (خالد كباشي) أو الضابط المسؤول عن ملفاتنا لأننا ومن خلال حوارنا توصلنا إلى لجنة التحري هي تلك التي تحرت معنا جميعاً بإستثناء شباب مجلس الصحوة لأن لجنتهم منفصله و لكن توحدت أسباب البقاء.
لم يأتي إلينا الضابط المسؤول و تحججو بأنه مشغول بالخارج وان لا نتسبب بإزعاجهم مرة ثانية بأصوات الأكواب التي كنا نضرب بها الصلب وأبواب الحديد كما تفعل كل مرة عندما تكون المكان و تستخدم كوسيلة للمناداة.
إنتظرنا حتى المساء و لم يأتي الضابط بل لم يأتي أحد بالمرة ليسألنا ولكن جاء أحد الأفراد المارين اوقفه صديقي كمال الزين ليستفسر عن أسباب تأخرنا و بعد شد وجذب في الحديث و كان معه أيمن و بعض الشباب قال له (امسحو كريم عشان يفكوكم) حينها أدركنا تماماً في ماذا يفكرون ..! إشطاط صديقي غضباً و معه أيمن بينما كنت بارداً لحد الإستغراب ..! و بطبيعتي لا أستجيب سريعاً للإستفزازت التي تصدر من السلطة بقدر ما أسما للنيل منها وهم الآن قد عبرهم بالضبط عن مكامنهم و السلطة في أضعف حالاتها و لعمري لن نسقط و لم نسقط و هذه الإستفزازات متكررة أو كانت شبه عادية لطيف كبير من أبناء الشعب السوداني طوال فترة حكم الإنقاذ و قد سقط الكثير شهيداً داخل أوكار جهاز الأمن أو خارجه نتيجة مثل هذا السلوك المعلن لجهاز الأمن.
جلسنا لنستدرك الأمر و السلاح الذي يمكن أن يكون هذا السلوك العنصري فكان سلاح الإضراب المفتوح عن الطعام خير سلاح.
(6)
في اليوم الأول من الإضراب 16/4/2019 صادف إطلاق سراح صديقنا ودابسكر و معه كل تجار العملة وقيام ، فأصبحنا نحن (17) المصنفين جهوياً و بقايا الأجانب المصنفين كدواعش و اثنين من (جيش الرب) تم الإحتفاظ بهم كعينة لنفي الإتهامات الخاصة للحكومة حينها بإستخدام جوزيف كوني كمليشيا في دارفور و بشكل خاص أيام المنظمات العسكرية التي تستخدم فيها الأسلحة الكيماوية مع إستقرار جوزيف كوني في (بحر العرب) و مصنفة كقائد لمجموعة إرهابية و يتصدر القائمة الدولية و كل هؤلاء في جناح آخر.
بعثنا مع الخارجين رسائل للأصدقاء ورسائل للقيادة مكان الإعتصام.
أعلنا إضرابنا عن الطعام صباحاً فكان ردهم (إن شاء الله ما تاكلو تاكلو السم) ثم يأتي آخر و يهدد و آخر يلفظ بالوعيد كانت خطتنا ان لا نستثار أبداً عن طاقتنا و أعصابنا مهما فعلوا بنا.
وفي نهايات اليوم الأول تبدى على عدد غير بسيط من عدم الرغبة في المواقف التي لا تزال غير تعلمها لطبيعة سلاح الإضراب نفسه ولانه قرار صعب و سلاح ذو حدين وحيث إرهاق للجسد كما أنه مرتبط بمستوى التمسك الشخصي لصالح الحرية و الكرامة الإنسانية.
مررنا عليهم عبر الزنازين موضحين لهم في هذا الأمر غير إلزامي و انه خيار متروك و لكن قضيتنا واحدة و ستكون المحصلة للجميع فالذي لا يرغب في المواصله نعذره. نلتفت تفسير إلى الشاشة لنجد القنوات السودانية تتداول خبر إطلاق سراح البوشي من سجن كوبر الذي يقرب لنا بقليل الأمر الذي إستدعي الكثير من التساؤلات مصحوبة بتدخل قوى الحرية والتغيير لإطلاق سراحه ، ولنا نحن سلاحنا يجب أن نتمسك به و الثوار في أرض الميدان ….
أصبحنا في اليوم الثاني ثلاثتنا (انا / كمال / عبد الكريم) متمسكين بالإضراب بكل عزم فكان ذلك خياراً وقراراً و إرادة عزمنا عليه معاً كعهد و ميثاق غليظ بيننا الثلاث ذلك الشعور الذي يجعلك تتجاوز أوهام الحياة المُزلة و المهينة و نسخر من الموت بكل شجاعة.
يتبع …
كمال الزين
عبد الكريم ارسام
