كتب / محمد عثمان جبريل
كانت هناك أسباب حقيقية دفعت الشارع السوداني إلى الثورة ضد حكومة لم ترتقِ إلى مستوى تطلعاته؛ لا في تحقيق السلام العادل، ولا في ضمان التوزيع المنصف للثروة والسلطة. ورغم أن المؤسسات العسكرية كانت في حالة تماهٍ شبه كامل مع النظام، إلا أن إرادة الشعب السوداني كانت أقوى، فخرجت الجماهير مطالبة بالتغيير، مدفوعة بالأمل في بناء دولة جديدة قائمة على العدالة والحرية.
غير أن الأحزاب السياسية لعبت دورًا معقدًا في هذا المشهد. فقد خاطبت الشارع بخطاب عاطفي ركّز على إسقاط النظام، لكنها لم تكن تملك الرؤية الكافية أو القدرة المؤسسية لإدارة المرحلة الانتقالية بشكل مهني ومدروس. فبعد نجاح الثورة، لم تظهر خطة واضحة للتعامل مع التباينات العميقة التي كانت أصلًا من أسباب اندلاعها، بل انشغلت تلك القوى بتقاسم السلطة، في تناقض واضح مع وعودها السابقة بالابتعاد عنها خلال الفترة الانتقالية.
كانت هذه اللحظة أولى إشارات الانحراف عن مسار الثورة، حيث بدأت الفجوة تتسع بين الشارع والقوى السياسية. ومع تبني شعارات مثل “اللاءات الثلاثة”، تعمّق الانقسام داخل المجتمع، وازدادت حالة الاستقطاب، ما أضعف الجبهة الداخلية وأفقد الثورة زخمها ووحدتها.
المؤسف أن هذه التجربة لم تكن الأولى في تاريخ السودان؛ إذ تكررت الأخطاء ذاتها في ثورات سابقة، وكأن الذاكرة السياسية تعجز عن التعلم من دروس الماضي. فغياب الرؤية الاستراتيجية، وضعف البناء المؤسسي للأحزاب، وانغماسها في الصراعات الداخلية، كلها عوامل ساهمت في إجهاض حلم التغيير.
إن الإشكالية الحقيقية تبدأ من داخل الأحزاب السياسية نفسها. فإذا أرادت هذه القوى أن تستعيد ثقة الشارع، فعليها أن تعيد بناء ذاتها على أسس ديمقراطية حديثة، وأن تطور أدواتها وبرامجها بما يتناسب مع تعقيدات الواقع السوداني. فالثورات لا تُجهض فقط بالقوة، بل قد تُفرغ من مضمونها أيضًا بسوء الإدارة وغياب الرؤية.
تبقى ذكرى السادس من أبريل تذكيرًا مؤلمًا بأن إسقاط الأنظمة لا يكفي، وأن التحدي الأكبر يكمن في ما بعد الثورة: في القدرة على بناء دولة تستحق تضحيات شعبها.
