عبدالباسط الحاج
(1)
في نهايات اليوم الثاني من الإضراب مر علينا حكمدار المعتقل لذلك اليوم وقد كنت اعرفه مسبقاً منذ أن كنت بمعتقل (دبك) يرغبنا لفك الإضراب وقد رفضنا بتاتاً، غير لغته إلى لغة تهديدية الأمر الذي أثار صديقي فحدثت بعض التراشقات الكلامية بينهم بينما كنت اتمالك أعصابي لقناعتي بعدم الإستجابة لإستفزازات الجلاد و هو يصرح بأنه سيفرض علينا عقاباً بقفل الزنزانة علينا و منعنا من التجوال خارجاً… هنا قد تدخلت بكلمات موضحاً له أننا لدينا مطالب مشروعة وهي معرفت سبب بقائنا و مطالبتنا بالضابط المسؤول و ما عليه فعله هو رفع بلاغاتنا إلى الجهات المسؤولة و لا حاجة لنا معه للدخول في أي مشكلة.. وقف جلياً ثم ترك الباب مفتوحاً و ذهب إلى أمره.
(2)
اليوم الثالث من الإضراب قد أربك جهاز الأمن جداً لعدة أسباب وهي تمسكنا التام بهذا الخيار و عدم التراجع عنه رغم التهديدات و لسخريات القدر فقد جاء أحد الأفراد فقال لنا (الإضراب عن الطعام دي جريمة الله بحسابكم عليها و أنا ممكن افتح فيكم بلاغ) قلت له أما فيما يتعلق بحق الله فأنتم لا تعرفون الله أكثر منا و أما فيما يتعلق بالبلاغ فأنا محامي و لن أضع اعتبار لترهاتك هذه وان تخيفنا بكلماتك الغبية تلك.
جاء أحدهم يسألنا عن ما اذا كنا مستمرين في الإضراب ام لا محاولاً التطمين ثم سأل (انت عبد الباسط المحامي) فأجبته بنعم. ماذا هناك؟ قال لا شئ و قد ذهب… فقلت لرفاقي ان هناك شيئا ما يحدث بالخارج و من الواضح أن الثوار بالخارج قد فعلو ما كنا نتوقع تماماً و تضامناً مع وقفتهم بالخارج يجب علينا الإستمرار دون تردد في الإضراب عن الطعام…. لم نكمل حديثنا حتى دخل علينا (ايمن) من الخارج علي عجالة (شغل النيل الأزرق جايبين صورتك في التلفزيون انت محامي؟) فقلت له نعم انا محامي في تلك اللحظة التي أحول فيها القناة فإذا بالزملاء المحاميين يشكلون لوحة رائعة لوقفة إحتجاجية أمام وزارة العدل وقد تعرفت علي جزء منهم أصدقاء و دفعة و زملاء مهنة، كيف لا وهم حراس العدالة و حماة الحق..!
تأكدنا إن خطتنا ستنجح و تكتمل مع الضغط الخارجي بشكل متساوي و هذا ما جعلنا نعتزم المواصلة بكل ثبات و ثقة و إستلهمنا من تلك الأخبار القوة و بدأت تهب علينا رياح الانتصار على الظلم و الطغيان.
(3)
في نهاية اليوم الثالث جاء الضابط المسؤول عن المعتقلات (خالد كباشي) و هو مهلوع و كأن هناك من صب جام غضبه عليه أو قد لامه على شيئا ما… ثم اخذ أسماءنا و حاول أن يبث فينا الطمأنينة و هو آخر من يتحدث عنها، و قال (الجماعة برا شغالين ليكم شغل جد) بعدها ارسل لنا الطبيب ليقف على حالنا فإذا بالطبيب نفسه يدعم خيارنا بشدة في الإضراب عن الطعام بعد أن أدرك خطورة الخطوات التي يقوم بها جهاز الأمن تجاهنا و قد اوصانا بتناول الماء بإضافة قليل من الملح و السكر و هو مثابة (جلكوز) للحفاظ على توازن السوائل و قد كان ما قاله.
(4)
من جانب آخر كنا نتابع التحولات التي تحدث بالخارج ليلاً ونهاراً عبر القنوات السودانية و الأخبار عن القبض على كميات ضخمة من الأموال في منزل الجنرال البشير… اللقاءات التي تعكس تطلعات الشارع السوداني في التغيير… الإعتصام… الكنداكات… عمليات القبض التي تمت للسفاك احمد هارون و عبد الرحيم محمد حسين و نحن نشاهد من أعلى الطابق الثالث حركة غير طبيعية لأفراد الأمن و الجيش داخل المبنى و حراسة مشددة في الطابق الثاني .
ينتهي يومنا الثالث بكل ثبات و نحن نتعامل مع الموقف كرجال أختبرتهم التجربة و كان يجب أن نكون قدر التحدي، يدخل علينا بين الفينة و الأخرى رفاقنا من الزنازين المجاورة يتابعون وضعنا الصحي مطمئنين علينا و مشجعين في آنن واحد.
ندخل اليوم الرابع بكل شجاعة و دون تردد و يدخل علينا أفراد الأمن و الطبيب بشكل متكرر و يبدو عليها آثار الخوف و التراجع عن شيئا ما كل ما تلمسوا إصرارنا على المواصلة في إشهار سلاح الإضراب و الإستمرار إلى حين تحقيق أقرب الخيارين…
يتبع…
