كتب / عبد الهادي عبد الله
جاء قرار وزارة الثقافة والإعلام بوقف نشاط قناة ”سودانية 24“ وسحب تراخيصها كخطوة بدت في ظاهرها ”حازمة“ لحماية السلم المجتمعي، لكنها في جوهرها تظل قاصرة ومنقوصة ما لم تتبعها إجراءات قانونية وإدارية تطال ”الأصل“ لا ”الصورة“.
إن ما حدث في محلية دلقو بالولاية الشمالية ليس مجرد سقطة مهنية لقناة تلفزيونية، بل هو اختراق أمني وسياسي وأخلاقي يستدعي محاسبة السلطات الرسمية التي وقفت تتفرج، بل وشاركت في تكريس خطاب الكراهية ضد النازحين.
إن المساءلة الحقيقية يجب أن تبدأ من مكتب المدير التنفيذي لمحلية دلقو. كيف سُمح لمحتجين ببث خطاب التمييز العنصري والمطالبة بطرد مواطنين نازحين أمام مقر حكومي رسمي ؟ والأدهى من ذلك، هو خروج مسؤولين محليين لاستلام مذكرة هؤلاء المحتجين والتعهد برفعها للسلطات العليا، بدلاً من اتخاذ إجراءات فورية بحق من ينشر الفتنة ويقوض الوحدة الوطنية.
إن هؤلاء المسؤولين، بتعاملهم ”الدبلوماسي“ مع خطاب عنصري، قد منحوا الشرعية لمنطق الإقصاء، وهو ما يستوجب إقالتهم فوراً ومحاسبتهم بتهمة التقصير في حماية السلم المجتمعي.
إن الصمت الحكومي تجاه المتورطين الرسميين يفتح الباب واسعاً أمام تصاعد هذه النعرات في مناطق أخرى. لا يمكن فصل ما حدث في دلقو عن المخططات السياسية التي تروج لها جهات معروفة، مثل عبد الرحمن عمسيب وأصحاب فكرة ”دولة البحر والنهر“ وغيرهم من النشطاء الذين يسعون لتفكيك النسيج الاجتماعي السوداني لصالح أجندات إقليمية.
إن تحويل نازحي دارفور وكردفان إلى ”ضحايا جدد“ لسياسات الدولة الممنهجة، أو لتقاعسها عن حمايتهم، هو الوقود الذي ستحترق به وحدة السودان المتبقية.
وبالعودة لقرار وزارة الإعلام، نجد أن تطبيق القانون جاء بطريقة ”انتقائية“ تثير التساؤلات. فبينما تمت معاقبة ”سودانية 24“ – التي عدلت خطها التحريري مؤخراً ليتسق مع الموقف الوطني – نجد صمتاً مريباً تجاه نشطاء إعلاميين ”محليين“ موجودين داخل السودان وتحت سيطرة الحكومة، قاموا بتغطية نفس الوقفة الاحتجاجية وبثوا سموماً أكثر تأثيراً وانتشاراً من القناة نفسها.
لماذا يُطبق القانون على مؤسسة ويُستثنى منه أفراد هم في متناول يد العدالة ؟ إن نهج ”تجزئة القانون“ هو الذي أوصل السودان إلى حافة الانهيار. فالمواطنة لا تتجزأ، وحماية النازحين ليست ”منحة“ من أحد، بل هي واجب أصيل على الدولة.
إن قرار إغلاق القناة، دون محاسبة المسؤولين المحليين في دلقو ودون ردع النشطاء المحرضين، يظل قراراً سياسياً للتغطية على الفشل الإداري في إدارة الأزمة. إذا كانت الحكومة جادة في حماية الوحدة الوطنية، فعليها أن تضرب بيد من حديد على رؤوس ”دعاة الفتنة“ داخل أجهزتها أولاً، وقبل أن تتفرق دماء النسيج الاجتماعي بين قبائل السياسة وأجندات الخارج. السودان لن ينهض بـ ”البل“ الإعلامي فقط، بل بفرض هيبة الدولة وعدالة القانون على الجميع دون استثناء.
