الخرطوم – جوبا – السودان الآن |31 ديسمبر 2025
تتصاعد حدة الجدل السياسي والقانوني بين الخرطوم وجوبا على خلفية إعلان المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان اعتماد الدوائر الجغرافية لعام 2010، في خطوة تمهّد لإدراج منطقة أبيي المتنازع عليها ضمن الدوائر الانتخابية لانتخابات عام 2026.
القرار فجّر نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والقانونية في جنوب السودان، بين من يراه تهديداً للاستقرار وخرقاً للمواثيق الدولية، ومن يعتبره استحقاقاً دستورياً لا يقبل التأجيل.
رؤية تحذيرية : شرعية محل نزاع ومخاطر صراع
في مقال تحليلي، حذّر الكاتب سيلفانو إسحاق من تبعات إدراج أبيي انتخابياً قبل حسم وضعها النهائي، معتبراً الخطوة تجاوزاً لبروتوكول أبيي الموقّع ضمن اتفاقية السلام الشامل.
وأشار إسحاق إلى أن دمج المنطقة في العملية الانتخابية يُفرغ البروتوكول من مضمونه القانوني، ويفتح الباب أمام طعون دولية، خاصة إذا أُدرجت أبيي ضمن دوائر ولاية «واراب» رغم عدم تبعيتها الإدارية لها.
كما حذّر من سيناريوهات قد تقود إلى تجدد الصراع بين قبيلتي دينكا نقوك والمسيرية، وربما تدفع الخرطوم إلى تحريك شكاوى رسمية أمام مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، ما قد يضع جوبا في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي.
رد قانوني : الانتخابات حق دستوري وسيادي
في المقابل، جاء الرد حازماً من مولانا دينق بيونق ميجاك، عضو اللجنة الوطنية المعنية بالوضع النهائي لأبيي، الذي دافع عن القرار استناداً إلى الدستور الانتقالي لجنوب السودان.
وأوضح ميجاك أن المادة (97) من الدستور تكفل لمواطني دينكا نقوك حقوق المواطنة الكاملة، بما فيها المشاركة السياسية والانتخابية، مؤكداً أن هذه الحقوق غير قابلة للتعطيل.
وأضاف أن التعديلات الدستورية لعام 2020 اعترفت بأبيي كـ«منطقة إدارية» ضمن هيكل الدولة، ما يجعل مشاركتها في الانتخابات أمراً طبيعياً. كما أشار إلى أن سكان أبيي شاركوا بالفعل في انتخابات 2010، ولا يزال ممثلوهم يشغلون مقاعد في برلمان جوبا، بما يرسّخ – من وجهة نظره – استمرارية الشرعية السياسية.
وشدد ميجاك على أن توصيف المسيرية في الاتفاقيات الدولية هو «رُحّل» لا «مقيمون دائمون»، وهو ما – بحسب قوله – يسقط عنهم حق التصويت في الدوائر الثابتة للمنطقة.
جدل القرارات الدولية
كشف السجال أيضاً عن تباين في تفسير القرارات الأممية المتعلقة بأبيي. فبينما حذّر معارضو الخطوة من مخالفة قرارات مجلس الأمن الخاصة بالمنطقة، يرى المدافعون عنها أن وجود بعثة يونيسفا لا يلغي الحقوق السياسية لمواطني أبيي ولا ينتقص من سيادتهم في الانتماء السياسي لجنوب السودان.
خلاصة المشهد
تبقى قضية أبيي واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في العلاقات بين السودان وجنوب السودان. ففي وقت تسعى فيه جوبا إلى تثبيت «جنوبية» المنطقة عبر صناديق الاقتراع وممارسة الحقوق السياسية، تتزايد المخاوف من أن يقود هذا التحرك الأحادي إلى تقويض ما تبقى من العملية السلمية، خصوصاً في ظل الانشغال الداخلي للسودان بأزماته المتعددة.
ويبقى السؤال مفتوحاً :
هل سيتدخل المجتمع الدولي والاتحاد الأفريقي لصياغة خارطة طريق توازن بين حقوق المواطنة لسكان أبيي والالتزامات الدولية المنصوص عليها في البروتوكولات، أم أن انتخابات 2026 ستفرض واقعاً سياسياً جديداً يسبق أي استفتاء مؤجّل ؟
