كتب / محمد عثمان جبريل
جاء التقرير الصادر عن الأمم المتحدة بشأن الجرائم المرتكبة في مدينة الفاشر صادماً بكل المقاييس، ليس لأنه كشف ما كان مجهولاً، بل لأنه أكد ما ظل السودانيون يرددونه منذ اندلاع الحرب: أن ما يجري ليس مجرد نزاع مسلح، بل جرائم ترقى إلى مستوى التطهير العرقي.
لأول مرة يشير تحقيق أممي بوضوح إلى أن الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا تحمل سمات الاستهداف العرقي الممنهج، مع تقديرات تتحدث عن أعداد ضحايا تجاوزت الستمائة ألف، غالبيتهم من القبائل الإفريقية في الإقليم. هذا الرقم المفزع يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي عاشها المدنيون تحت وطأة القتل والتهجير والحصار والتجويع.
بالنسبة لنا، لم تكن هذه المعلومات جديدة. فمنذ الأيام الأولى للحرب، كانت الشهادات الميدانية والوقائع على الأرض تشير إلى نمط واضح من الاستهداف المنظم للسكان الأصليين، في سياق مشروع يهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية عبر العنف والترهيب. لكن الجديد هو أن المجتمع الدولي بدأ أخيراً يقر بما ظل يُنكر أو يُتجاهل لفترة طويلة.
صحيح أن هذا الاعتراف جاء متأخراً، وبعد أن دفعت آلاف الأسر أثماناً باهظة من دمائها وأمنها واستقرارها، إلا أنه يظل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. فالاعتراف الدولي بطبيعة الجرائم يمهد الطريق نحو المساءلة القانونية، ويضع حداً لمحاولات تزييف حقيقة ما يجري أو تصويره كصراع تقليدي على السلطة.
ما يحدث في الفاشر ودارفور عموماً ليس مجرد معركة عسكرية، بل معركة وجود وهوية وأرض. ومع اتضاح الصورة أمام العالم، لم يعد ممكناً إخفاء الحقيقة أو التلاعب بها. الكرة الآن في ملعب المجتمع الدولي: هل يكتفي بالتقارير والإدانات، أم ينتقل إلى مرحلة الفعل والمحاسبة؟
إن كشف الحقيقة، مهما تأخر، هو بداية الطريق نحو العدالة. لكن العدالة الحقيقية لن تتحقق إلا عندما يُحاسب كل من تورط في سفك دماء الأبرياء، ويُعاد للضحايا حقهم في الحياة والأمان والكرامة.
