الخرطوم – السودان الآن

أثار قرار حكومي بتشكيل لجنة لحصر العاملين بالحكومة الاتحادية ووضع تصور لتقليص أعدادهم موجة واسعة من الجدل والرفض داخل الأوساط النقابية والمهنية في السودان، وسط مخاوف من عودة سياسات “الفصل للصالح العام” وتوسيع دائرة التشريد في ظل الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

وكانت وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية قد أصدرت القرار الوزاري رقم (22) لسنة 2026م، القاضي بتشكيل لجنة لدراسة أوضاع العاملين بالحكومة الاتحادية، وحصر القوى العاملة، ووضع تصورات لتقليص أعداد العاملين ورفع توصيات بشأن تخفيض العمالة وإعادة هيكلة الخدمة المدنية.

نفي من مكتب رئيس الوزراء

وفي أعقاب تصاعد الانتقادات، أصدر المكتب الصحفي لرئيس الوزراء كامل إدريس بياناً نفى فيه ما تم تداوله بشأن “إعفاء العاملين بالدولة”، موضحاً أن اللجنة الوزارية تعمل على إعداد “رؤية لإصلاح الخدمة المدنية”، دون الإشارة إلى إلغاء القرار أو سحب اللجنة المشكلة بموجبه.

غير أن هذا التوضيح لم يوقف حالة الجدل، خاصة مع تداول نسخة من القرار الوزاري الذي يتضمن بصورة مباشرة مهام تتعلق بحصر العاملين ووضع تصورات لتقليص أعدادهم.

لجنة المعلمين: إعادة إنتاج للفصل للصالح العام

وكانت لجنة المعلمين السودانيين من أولى الجهات التي أعلنت رفضها للقرار، معتبرة أنه يمثل امتداداً لسياسات “الفصل للصالح العام” التي شهدها السودان بعد انقلاب عام 1989.

وقالت اللجنة إن استخدام مصطلحات مثل “الإصلاح الإداري” و”تقليص العمالة” يخفي – بحسب وصفها – محاولة لإعادة تشكيل الخدمة المدنية على أساس الولاء السياسي، محذرة من “التشريد والإقصاء” في ظل غياب المؤسسات المنتخبة واستمرار الحرب.

وأكدت اللجنة أن القرار الوزاري “واضح وصريح” في حديثه عن تقليص وتخفيض العاملين، معتبرة أن القضية “ليست شائعة وإنما قرار رسمي قائم”، كما طالبت بإلغائه ووقف أي إجراءات مترتبة عليه.

كما ربطت اللجنة بين القرار الحالي وتجربة الفصل للصالح العام، التي أدت – بحسب وصفها – إلى إقصاء آلاف العاملين والكفاءات من مؤسسات الدولة خلال العقود الماضية.

نقابة الصحفيين تدخل على خط الأزمة

وفي تطور لاحق، أصدرت نقابة الصحفيين السودانيين بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل للقرار، محذرة من تداعيات اجتماعية وإنسانية واسعة قد تنتج عن أي عمليات تقليص للعمالة الحكومية.

وقالت النقابة إن هناك اتجاهاً لفصل أكثر من 57 ألف عامل وموظف، من بينهم عاملون في مؤسسات إعلامية رسمية، مشيرة إلى مقترحات بإعفاء 259 من العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون و75 من هيئة البث.

ولم تصدر الحكومة أرقاماً رسمية تؤكد تلك التقديرات، غير أن النقابة اعتبرت أن أي خطوات من هذا النوع ستؤدي إلى “توسيع دائرة الفقر والتشريد” في ظل الأوضاع المعيشية الحالية.

وأضافت أن الإصلاح الحقيقي للخدمة المدنية يجب أن يتم عبر مكافحة الفساد، وإعادة الهيكلة، والتقييم المهني العادل، وليس عبر “تقليص العمالة” في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي.

إبراهيم الصديق: الوثائق تتحدث عن الإعفاء لا الإصلاح

وفي السياق ذاته، نشر الكاتب والصحفي الدكتور إبراهيم الصديق علي مقالاً انتقد فيه التناقض بين بيان مكتب رئيس الوزراء والوثائق المتداولة الخاصة باللجنة الوزارية.

وقال إن الوثائق لا تتحدث عن “إصلاح الخدمة المدنية” كما ورد في بيان رئاسة الوزراء، بل تركز بصورة مباشرة على إعفاء العاملين عبر المعاش المبكر أو إلغاء الوظائف.

وأشار إلى أن التقارير والملاحق المرفقة تضمنت تفاصيل تتعلق بالعاملين في الهياكل الاتحادية والهيئات والشركات الحكومية، إضافة إلى الإداريين بالأجهزة العدلية.

كما تساءل عن مدى علم رئيس الوزراء بهذه الإجراءات، في ظل ورود اسمه وتوجيهاته ضمن مداولات وتقارير اللجنة واجتماعات القطاع الاقتصادي المرتبطة بالقرار.

مخاوف بشأن المعاشات والتكلفة المالية

وأشار إبراهيم الصديق إلى أن الصندوق الوطني للمعاشات أبدى – وفقاً للوثائق – اعتراضاً ضمنياً على الخطة، محذراً من تأثيرها على رأس مال الصندوق نتيجة خروج أعداد كبيرة من المشتركين وتحولهم إلى مستفيدين من المعاشات.

واعتبر أن اللجنة تجاهلت قضايا أساسية تتعلق بالمرجعية القانونية، ودقة البيانات، وإمكانية تنفيذ الخطة مالياً.

وتساءل عما إذا كانت الحكومة تملك الموارد اللازمة لتغطية تكاليف قد تتجاوز 354 مليار جنيه سوداني، إلى جانب الآثار المحتملة على التضخم والأسواق.

كما انتقد ما وصفه بغياب رؤية لإعادة توزيع الكفاءات والاستفادة منها بدلاً من إنهاء خدماتها، مشيراً إلى أن بعض المؤسسات الحكومية تعاني بالفعل من نقص في الكوادر الفنية والمتخصصة.

أزمة خدمة مدنية في ظل الحرب

ويأتي هذا الجدل في وقت يعيش فيه السودان واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والإدارية منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.

وأدت الحرب إلى تعطيل مؤسسات حكومية واسعة، وانهيار أجزاء من الخدمة المدنية، وتأخر المرتبات في قطاعات عديدة، إلى جانب نزوح آلاف العاملين من مناطق القتال، وتوقف أو تقلص نشاط العديد من المؤسسات العامة.

كما تواجه الحكومة ضغوطاً مالية متزايدة مع تراجع الإيرادات العامة وارتفاع الإنفاق المرتبط بالحرب والخدمات الأساسية، وسط دعوات رسمية متكررة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتقليص الإنفاق الحكومي.

لكن معارضين للقرار يرون أن أي إصلاح حقيقي للخدمة المدنية يجب أن يتم في إطار سياسي ودستوري مستقر، وبمشاركة النقابات والمهنيين، وليس عبر لجان وقرارات تصدر خلال فترة الحرب والانقسام السياسي الحالي.

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة ملف الخدمة المدنية في السودان، الذي ظل لسنوات أحد أكثر الملفات ارتباطاً بالاستقطاب السياسي وقضايا التمكين والإقصاء الوظيفي منذ عهد الرئيس السابق عمر البشير وحتى المرحلة الحالية.