كتب / عبد الهادي عبد الله
لم يعد بالإمكان التواري خلف عبارات الإنكار أو الاحتماء بخطاب سياسي متبدل، فإقرار قائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان ”حميدتي“، بوجود مرتزقة كولومبيين يقاتلون ضمن صفوف مليشياته يمثل تحولاً نوعياً في مسار الحرب الدائرة في السودان.
الأخطر في هذا السياق ليس فقط الاستعانة بمرتزقة، وإنما ما تشير إليه إفادات ميدانية ومقاطع فيديو من مشاركتهم في العمليات القتالية داخل مدينة الفاشر ومعسكر زمزم للنازحين إلى جانب عناصر المليشيا، وارتكاب انتهاكات طالت مدنيين.
ايضاً هذا التصريح لا يمكن عزله عن سياقه القانوني، إذ يشكل في جوهره اعترافاً قد يُستند إليه أمام المحكمة الجنائية الدولية ضمن أي مسار تحقيق يتعلق بالانتهاكات المرتكبة خلال الحرب على السودان.
إن تجنيد المرتزقة واستخدامهم في النزاعات المسلحة محظور بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة تجنيد المرتزقة لعام 1989، ويُعد جريمة دولية متى ما توافرت عناصره القانونية، وعلى رأسها العلم والإرادة لدى القيادة.
وبمجرد الإقرار بوجود عناصر أجنبية تقاتل تحت إمرة قيادة محددة، تنتقل المسؤولية من نطاق الاتهام السياسي إلى دائرة المساءلة الجنائية الفردية، خاصة إذا ثبت تورط تلك العناصر في استهداف المدنيين أو ارتكاب انتهاكات ممنهجة قد ترقى إلى جرائم حرب.
ويمتد الأثر القانوني لهذا الاعتراف إلى مبدأ المسؤولية القيادية، الذي يقوم على مساءلة القائد إذا كان يعلم – أو يفترض أن يعلم – بوقوع جرائم من قبل مرؤوسيه ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو معاقبة مرتكبيها.
وفي السياق السوداني، سبق أن مارست المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها في قضايا متعلقة بإقليم دارفور، ما يجعل أي معطيات جديدة بشأن تجنيد مرتزقة بفتح تحقيقات موازية، كما أنها بدأت فعلياً في تولي مسؤوليتها في الانتهاكات التي جرت في مدينة الجنينة ضمن ملفات قائمة.
كما أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على أفراد وشركات كولومبية مرتبطة بعمليات تجنيد لصالح مليشيا الدعم السريع، تعكس اتجاهاً دولياً متصاعداً لتجفيف شبكات الدعم الخارجي.
وإذا ما ثبت تورط جهات إقليمية في التمويل أو التنسيق مثل الإمارات، فإن ذلك قد يفتح مسارات قانونية أوسع تتجاوز الفاعلين المباشرين إلى شبكات الدعم والتمكين.
إن الاعتراف بوجود مرتزقة أجانب لا يُعد مجرد أمور عسكرية، بل تطوراً يغيّر توصيف الحرب ويمنحها أبعاداً قانونية دولية أعمق. فحين تتجاوز الحرب حدودها الوطنية وتستجلب عناصر قتالية من الخارج، فإنها تدخل تلقائياً في نطاق رقابة القانون الدولي الإنساني وآليات العدالة الدولية.
وعليه، فإن ما قِيل في لحظة سياسية قد يتحول إلى مستند قانوني ثقيل الكلفة، ليس في ميدان القتال فحسب، بل في أروقة القضاء الدولي أيضاً.
