كتب / عبد الهادي عبد الله
لم يكن قرار شبكة ”سكاي“ العالمية بفض شراكتها مع ”سكاي نيوز عربية“ وسحب رخصتها بحلول العام المقبل مجرد إجراء إداري أو مراجعة مالية؛ بل هو ”إعلان براءة“ دولي من أكبر عملية تزييف إعلامي شهدتها المنطقة منذ عقود. لقد أدركت الشبكة الأم في لندن أن علامتها التجارية التاريخية باتت تُستخدم ”ستاراً“ لتمرير أجندات تخدم محاور إقليمية، وتغطي على جرائم حرب وإبادة جماعية في السودان.
حين يمتزج ”السرير“ بـ ”الخبر“، تفقد الصحافة قدسيتها. لقد كانت المذيعة تسابيح مبارك خاطر الوجه الأبرز لهذا الانحدار؛ فهي ليست مجرد مادة إعلامية، بل هي زوجة إبراهيم الميرغني، القيادي في ما يُسمى ”تحالف التأسيس“ والحليف السياسي اللصيق لمليشيا الدعم السريع. هذا الارتباط العضوي لم يترك مجالاً للحياد، بل حوّل شاشة القناة إلى منصة لتلميع المليشيا وتبرير فظائعها.
تخيلوا قناة تدّعي العالمية، تُرسل مذيعة ”تربطها مصالح عائلية وسياسية مع المعتدي“ لتغطية أحداث الفاشر والجنينة، حيث قُتل الآلاف في مجازر وصفتها الأمم المتحدة بأنها ”إبادة جماعية“. هناك، وأمام عدسات الكاميرا، سقط القناع؛ حين ظهرت ”تسابيح“ وهي تعانق قادة المليشيا المتهمين بجرائم الاغتصاب والتطهير العرقي، مرددة بملء فيها : ”نحن معكم“، في مشهد يندى له جبين الإنسانية قبل المهنية.
لم تكتفِ سكاي نيوز عربية بالانحياز العاطفي، بل مارست ”البروباغندا“ السوداء بإنكار حقائق وثقتها الأقمار الصناعية والمنظمات الدولية. لقد بثت القناة سمومها عبر تقارير تشكك في المجازر، وتصف الأدلة الدامغة بأنها ”صور مزيفة“، محاولةً يائسة لتبييض صفحة مليشيا يقودها آل دقلو بدعم مالي ولوجستي إماراتي مفضوح.
لقد تحولت القناة إلى ”غرفة عمليات“ إعلامية تابعة للأجندة الإماراتية في السودان، تهدف للسيطرة على الموانئ والموارد عبر جثث السودانيين. هذا الدور القذر هو ما دفع صحيفة ”التلغراف“ البريطانية لتسليط الضوء على حجم الفضيحة، وهو ما أجبر ”سكاي“ الأم على بتر هذا العضو الفاسد حمايةً لسمعتها الصحفية التي دمرتها ”نسختها العربية“ في رمال دارفور وكردفان.
نهاية ”بوق“ الفتنة
إن فض الشراكة هو انتصار أخلاقي لضحايا الجنينة، والفاشر، والخرطوم، والجزيرة وكل مكان في السودان. هو رسالة لكل من اعتقد أن ”المال“ يمكنه شراء صمت التاريخ أو تزييف الجغرافيا. لقد ذهبت الإمارات بمالها، وتسابيح بعلاقاتها، والقناة ببروباغنداها إلى مزبلة التاريخ المهني، وبقي السودان صامداً بجيشه وشعبه، وبقيت دماء الشهداء لعنةً تلاحق كل من حاول التغطية على الجلاد.
إن القرار البريطاني بداية النهاية لإمبراطورية الزيف، وتأكيداً على أن الحقيقة، مهما حُجبت بسحب الدخان وشاشات سكاي المأجورة، ستظل تشرق من خنادق الكرامة.
