مقال نمرة (٢)
بقلم : فؤاد شنيب
و لكن..
اولاً نعتزر عن تأخير هذا الجزء من مقال محاكمة الجنرال “بشة” لأسباب تقنية تعلقت بحاسوبي الشخصي و نسبة لصعوبة الكتابة على أزر التلفون لم نصدر المقال في أوان مناسب ،. ثانيا بما اننا تحدثنا في مقالنا السابق عن المحكمة الجنائية بات من المعلوم لدينا الآن أن قضية العدالة الدولية لملف مجرمي الإنقاذ في السودان و التي لو حدثت بشكلها الصحيح ستكون عربون مُغري لقيام التغيير في السودان و قيام دولة السودان.، باتت مرهونة بمعايير القوة الدولية و ضعف الممانعة الداخلية او التغيير ، و لكن من المؤسف لن يحدث في السودان تغيير حقيقي ليس لأن هنالك تآمر خارجي على السودان كما يُقال دوماً بل لأسباب داخلية فالسودانيين ( القوى التغييرية منهم تجمعات او أفراد) يفتقدون لمنهج التغيير و تُحِل نزواتهم و قضاياهم الخاصة محل قيمهم و دوافعهم الوطنية و لهذا يكون منطقهم منطق مساومات و ليس منطق حلول فعلية ، أو تحدهم قلة المعرفة و تجعل التغيير بمثابة تحسين لظروف عبوديتهم .. هذا مع أخذ الأمر من طرفهم عن حُسن نية.
ثانيا على الرغم من أن مقالنا اليوم مفروض به تناول الدور القطري و المصري تجاه التغيير في السودان و ما كان هي نتائج إجندات إجتماع قطر السري ثم نقوم بربط كل الملابسات لندرك كيف لن يُحاكم الجنرال بشة مع المامنا بكل التفاصيل الإخرى، ثم و كيف تمت ، إلا أننا في هذه الحلقة سوف نضيف موضوع مهم يتعلق بمسألة التغيير نفسه في السودان ..
ملحوظة : في الحلقة السابقة طلبنا من الناشطين و المنظمات محاولة تحضير ملابسات جديدة تمهيدا للطلب الذي ستتقدم به المحكمة لمزيد من المعلومات حول القضية و عليه أسرنا بضرورة المطالبة من المحكمة ببرنامج حماية الشهود و حفظهم بأماكن آمنة خارج السودان بشكل عاجل .. و لكن لم يتحرك ساكن
سنخسر هذه القضية الإنسانية !
…. …… …… ………
نُريد التأكيد بأن هذه المقالات ليست من باب التثقيف و التنوير المعرفي و إنما حقائق مجردة عملية صالحة للقيام بعملا ما يصب في مصلحة الدولة الجديدة في السودان ، و مهم جدا لضرورات التمرحل و التي تتم تلك التمرحلات دون ان يشعرها البعض او إدراك حقيقتها و موقعها في بنية التغيير بالتوازي مع بنية الخلل أو الإشكال، ذلك لكي نطمئن أكثر بأننا أو أنها فعلا حركة ستغير واقع الحال من سيء إلى أفضل ، و ليست يعتبرونها مجرد أحداث أملتها ظروف سياسية و إقتصادية محددة و تحدث عن محض صدفة او تحركها إراد جماهيرية كانت تعيش جملة من الأحلام الوردية ، و كما يجب موائمة متطلبات و ادوات التغيير و توحيد الهدف مع ثورات التغيير التي بدأت من وقت طويل بجبال النوبة و النيل الأزرق و البجا و دار فور، كي يكون التغيير الفعلى هو تغيير الدولة برمتها ( أدواتها وتوجهاتها و منهجها و هيكلها ) و ليس شيئاً آخر .
، يجب على التغييريين إدرك ذلك بذهن متفتح و أفق أوسع ليكون التغيير المعني في السودان حينما نقول تغيير في أي محفل هو فعلا تغيير واحد في جميع أصقاعه و هدف واحد لدي الجميع فحينما يتحدث العامل او المزارع او الراعي او الطبيب فالسائق و الموظف او الثورى او الطالب بركن نقاس سياسي أم حوار تثقيفي عابر فإنه و أنهم بالضرورة يعنون نفس التغيير الموحد الذي يشبع طموح الجميع و بالتالي تكون فلسفة التغيير تحمل منطق مشترك واحد لدى الثورات التحررية مثلاً و الجمعات المدنية التغييرية و النقابات و النخب و الناشطين و أفراد المجتمع فقط يفرقها نوع الانشطة ،.بالضرورة هذا يتطلب تحدي جديد و من نوع آخر .، و يجب أن لا يكون التغيير هدف مرحلي كزوال نظام حاكم دون الحاجة لمعالجة المشكلات التاريخية مما تنتفي حاجة التغيير بزوال بعض المشكلات ! ، فإن تغيير مثل هذا هو أخطر عن حكم العنصريين و السفاحين لأنه بشكل حتمي سيقود البلاد إلى التهلكة و الدمار خلال تقسم السودان إلى دويلات عديدة متصارعة و ستكون هناك حروب طاحنة و نزوح و لجوء لم يشهده العالم من قبل و ستكون أسباب هذه الحروب هي نفسها الأسباب القديمة أو التأريخية لمشكلات دولة سودان اليوم دون شك ، فإذن لتفادي تلك المسائل ينبغي للتغييريين مدنيين كانوا ام جيوش تحررية ان يجدوا قاسم وطني مشترك لتغيير الدولة و حينما نقول قاسم مشترك بالضرورة لا نعني تحالف يقوم على مصلحة محددة ام خطط مرحلية بل قاسم يكون هو الضامن و عليه حتى بوصول أي فصيل لسيقة تحاور بينه و النظام الحاكم يعني ذلك بالنسبة للجميع إنتصار ثوري بإعتبار أن أجندات الحوار هي تعني الجميع و ليس فصيل او جماعة حزبية و بفلسفة كهذ ستُهزم هذه الفوضوية التي تشهدها موائد التفاوض و الحوار التي على إثرها تقسم الشعب فلول و جماعات حزبية و عرقية و جهوية و مهنية و نخبوية ، و ستُهزم الخرطوم في شهور قليلة جدا غير أنها تكفيكم شر التشرزم و التجمهر بدعاوى قيام وطن شريف كمسألة ( الرعاة و المزارعين و الاطباء و الطوائف و غيرها ).. متكتلين بتجمعات مهنية و طائفية و غير ذلك و تطور البعض منها إلى أحزاب أو كتل سياسية و كل كتلة او جماعة تعتبر نفسها قضية دولة مستقلة و ترغب في الحوار و التفاوض المستقل !! .
ولذا لما نقوله هنا أهميته القصوى لأنه يجنب الفشل المستقبلي للسودان الذي بات أقرب من محتمل .
فما دور الحركات الثورية هنا ؟ يجب على الحركات الثورية ان تقوم بدور الثورة الحقيقية التي تدعم و تستوعب جميع أصناف و أوضاع التغيير بروح مسئولية عالية متحررة في ذاتها و مستقلة عن عقلية القائد الأوحد ، كي تستوعب و تدرك كل شيء يتعلق بالتغيير حتى بما في ذلك التغيير الذي يحدث بداخلها يحب الإعتراف به و إفراد مساحة من التعبير له لأنه يطورها و يحد من قرورها و عنجهية قاداتها الذين قدموا أسوأ نموذج لثورات التحرير الشعبية على مستوى العالم الحديث بجنوب السودان و شماله على السواء ، و بالنسبة إلى تقييمها جاءت بمراتب متأخرة بالشرق الأوسط و شمال و شرق و وسط أفريقيا حتى ثورات البدو تفوقت عليها مثل الثورة اللبنانية بقيادة الشاب المفكر (مهدي عامل) التي أنتجت الدولة اللبنانية الحديثة و الثورة الجماهيرية الليبية بقيادة راعي الإبل “القذافي” و التي تعتبر قدمت طفرأة إقتصادية نادرة كانت كافية لإحداث تطور بشمال أفريقيا .
فما يجب على الثورة ؟ يجب عليها التطوير من قدراتها و رفع كفائة منتسبيها فعلياً هذا اولاً ،. ثانياً الإلتزام الصارم بالمبادئ و القيْم فأعضاء الثورة إن لم يظهروا أي إهتمام بمبادئهم و أخلاقهم و يلتزموا بها و يفنوا حياتهم فدائاً لها كيف لهم ان يقنعوا الشعب بإحترامها و الإلتزام بها ؟! بل كيف يجرؤن على إطلاق لقب ثورة تغيير عليها و هي نفسها تحتاج إلى التغيير! بل كيف يبنون دولة بأدوات الهدم نفسها .. فعقلية ما قبل العصور الوسطى الجيش القوي و القائد الإسطوري لن تًعد من الأركان الأساسية لقيام الدولة الحديثة !!؟ فالتغيير يجب ان لا يتجاوز القيّم يجب ان يلتزم بالأخلاق ( و مفهوم الإخلاق ليست تلك الأخلاق المتعلقة بإجتناب النواهي و أتيان الفضائل او الرزيلة و الفضيلة بل الأخلاق في أعلى قيمها و التي لا تنتظر الثواب من أحد حتى من الله نفسه أنها الأنسنة العاقلة ) . و الإعتقاد كما لو ان الشرعية الجماهيرية هي كل شيء فالحقوق و الوعي لا يلفظ إنفاسه بإسم الأغلبية الديمقراطية ! فالوعي و الحق سيبقيان القيمة الأسمى دوما لأي ثورى و لاي ثوري .
أخيراً على التغييري ان يكون عميق إلى حد بعيد، و كلياتي حتي لا يسقط في مسلسل الأخفاق و الفشل نتيجة التناقضات مثل ما يحدث الآن فثورات الشعب السوداني التي خرجت للتغير في شتى بقاع السودان شمال و جنوب ها هي نفسها تفاوض نفسها في مفاوضات جوبا اليوم !! فحمدوك أو حميدتي يمثلون ثورة ديسمبر ٢٠١٩م ! بينما الحركة الشعبية و ( التي هي في الواقع حركتين منقسمة على نفسها ) ، ثم حركات دار فور بمثابة ثوارت الشعب التى إنتفضت لأجل التغيير ، بجانب راعي المفاوضات نفسه هو يمثل ثورة شعب حنوب السودان و التي فشلت في اول خطواتها نحو بناء دولة السودان الآخر بالجنوب !! فإن كنتم فعلا ثورات تغييرية فما الداعي لمفاوضات بعضكم بعض ؟ هكذا يكون وعي التناقض !! فهناك ضرورة بقيام فلسفة جديدة للتغيير على نحو ما تفضلنا حتى لا يفقد الشعب السوداني ما تبقى من مكتسباته على يد بعض أبناءه فاقدي المسئوليات .
فعليه إن سقطت مفاوضات جوبا و إستئنفت الحرب ستكون حرب بين الثورات الشعبية للشعب السوداني و على مناصري حمدوك حمل السلاح لملاقات مناصري الحركات .. و كأنك يا ابوزيد ثورة ديسمبر ماغزيت ! و ما ذلك سواء دامغة على فشل الشعب السوداني هذه المرّة نفسه ، و لم يستفيد حتى من حركة التطور الطبيعي او التطور اللاحق في التصورات و البنى و هو التطور الذي يلحق التطورات كحتمية و ليس لأي هدف آخر او قيّمة !.
نلتقي في الحلقة (نمرة٣)
