كتب / محمد عثمان جبريل
يعيش المجتمع الدولي اليوم على وقع صدمةٍ كبرى مصدرها السياسة الأمريكية، بعد أن تغيّر معيار الفعل السياسي تغييرًا جذريًا. لم تعد الأخلاق، ولا الروح الإنسانية، ولا القيم الدينية أو الإيمان بالله، هي ما يحكم القرار الدولي؛ بل باتت المصالح—المصالح وحدها—هي البوصلة.
ها هو الرئيس الأمريكي يعلنها صراحة: الرغبة في الحصول على جزيرة غرينلاند الدنماركية ليست لدواعٍ أمنية ولا إنسانية، بل من أجل الموارد. يحدث هذا رغم أن الدنمارك دولة حليفة للولايات المتحدة منذ سنوات طويلة، وعضو في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، ولا تشكّل أي تهديد أمني، ولا تضم “إرهابيين” كما تُساق الذرائع عادة لتبرير التدخلات والهيمنة.
وقبل ذلك بأيام، وبعد حادثة خطف رئيس دولة فنزويلا، جاء الإعلان الفجّ بأنهم سيتحكمون في النفط والمعادن الفنزويلية. الرسالة واضحة لا لبس فيها: الثروات أولًا، والسيادة آخرًا؛ القوة لمن يملك، والحق لمن يفرض.
وإضافة إلى ذلك، فهناك نماذج كثيرة في تاريخ الغرب السياسي تُجسّد التخلي عن الحلفاء متى ما تعارض وجودهم أو مشاريعهم مع المصالح الغربية. ومن أبرز هذه النماذج في محيطنا المحلي قضية مقتل الدكتور جون قرنق؛ الرجل الذي كان يحمل مشروعًا وحدويًا سودانيًا وأفريقيًا، يقوم على التكامل بين الشعوب، ويتناقض جذريًا مع الرؤية الانفصالية التي فُرضت على المنطقة. لقد كان قرنق—بمشروعه الوحدوي—عقبة محتملة أمام سياسات التفكيك، وكأن وحدته كانت جريمة لا تُغتفر في ميزان المصالح.
إنها لحظة كاشفة تسقط الأقنعة عن خطاب طالما تزيّن بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. الواقع يقول إن التحالفات تُنقض متى ما تعارضت مع المصلحة، والقيم تُعلّق حين يحين وقت الغنيمة.
ومن هنا، فالرسالة إلى أبناء شعبنا وإلى كل من ما زال يراهن على أمريكا والغرب عمومًا أن يعودوا إلى رشدهم. لا تُدار السياسات الدولية بالعواطف ولا بالوعود، بل بالمصالح الصلبة. ومن لا يحصّن نفسه بوحدة الصف، والوعي، والاعتماد على الذات، سيجد نفسه ورقةً على طاولة الكبار. الدرس قاسٍ، لكنه ضروري: في عالم المصالح، لا يحميك إلا ما تملكه من قوة وإرادة ووعي.
