سنار – السودان الآن | 29 يناير 2026
أثار الحكم الصادر عن محكمة جنايات سنار في قضية الاغتصاب الجماعي لفتاة (البلاغ 19/2023)، موجة عارمة من الاستياء القانوني والشعبي، وسط اتهامات بوجود “خلل جسيم” في تكييف العقوبة، ومطالبات بفتح تحقيق عاجل حول شبهات تلاعب في وصف الجريمة لطمس الحقائق.
وفصّل المحامي أبو عبيدة حسن ملاحظات قانونية جوهرية على منطوق الحكم الصادر، معتبراً أنه لا يوافق صحيح القانون من عدة أوجه. وأوضح أن الحكم نص على توقيع العقوبات دون إيراد نص صريح بالإدانة، وهو ما يُعد خللاً جسيماً في الصياغة القانونية، إذ لا يجوز الانتقال بالمتهم من قرينة البراءة إلى توقيع العقوبة دون تثبيت مركزه القانوني كمدان بقرار واضح من المحكمة.
وانتقد أبو عبيدة الحكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات، مشيراً إلى أن المادة (149) من القانون الجنائي المتعلقة بجريمة الاغتصاب نصت صراحة على السجن المؤبد كعقوبة آمرة لا تملك المحكمة سلطة تقديرية لإنقاصها أو استبدالها، معتبراً أن مخالفة النص الآمر تمثل إنكاراً للعدالة وخروجاً على قصد المشرّع.
كما أشار إلى أن المحكمة قضت بجلد المتهمين مائة جلدة بوصفها عقوبة تعزيرية، في حين أن القانون نص عليها كعقوبة حدية مرتبطة بجريمة الزنا، مؤكداً أن توصيف العقوبة على هذا النحو يعكس خلطاً وتقصيراً في تطبيق النصوص القانونية والإشارة إلى المواد ذات الصلة، وهو ما لا يليق بمحكمة عامة تمثل درجة متقدمة في سلم المحاكم الجنائية.
بالتوازي مع الجدل القانوني، تصاعدت المطالبات في ولاية سنار بفتح تحقيق شفاف حول شبهات تلاعب بالعدالة، عقب تصريحات صادمة لوالدة المجني عليها.
وأكدت الأم في إفاداتها أنه جرى محاولات لتحويل وصف الجريمة من “اعتداء جسدي واغتصاب” إلى “زنا”، في مسعى واضح لتخفيف العقوبة وطمس معالم الجريمة البشعة التي تعرضت لها ابنتها.
وأعلن المحامي أبو عبيدة حسن تضامنه الكامل مع أسرة المجني عليها وفريق دفاعها، مؤكداً استعداده لتقديم العون القانوني لضمان عدم الإفلات من العقاب.
فيما شدد ناشطون وحقوقيون في سنار على ضرورة مراجعة الحكم عبر درجات التقاضي الأعلى (الاستئناف والعليا)، محذرين من أن التساهل في قضايا الاعتداءات الجسيمة يهدد السلم الاجتماعي ويقوض الثقة في المؤسسة العدلية.
وكانت صورة متداولة لمنطوق الحكم الممهور بتوقيع القاضي قد أظهرت سجن المتهمين الثلاثة لمدة 3 سنوات فقط اعتباراً من ديسمبر 2023، وهو ما فجر منصات التواصل الاجتماعي استنكاراً لما وصفه البعض بـ “العقوبة الهزلية” مقارنة ببشاعة الجرم.
القصة الكاملة بلسان والدة الضحية
كشفت والدة المجني عليها تفاصيل صادمة حول جريمة الاغتصاب الجماعي التي تعرضت لها ابنتها، مؤكدة أن الأسرة اضطرت لمغادرة منزلها بالخرطوم عقب اندلاع الحرب، استجابةً لنداء ابنها الذي يعمل بالقوات المسلحة، خشية تعرّض شقيقته لأي اعتداءات انتقامية.
وقالت الأم إن الأسرة استقرت في ولاية سنار وعاشت في أمان نسبي، إلى أن تقدّم شاب لخطبة ابنتها البالغة من العمر 21 عاماً، عرّف نفسه باسم “مهند”، وبدأ التواصل معها هاتفياً بزعم الترتيب للزواج. وأضافت أن الشاب استدرج ابنتها يوم الحادثة بحجة التشاور حول تفاصيل الخطبة وبحضور شخص قال إنه خاله.
وأوضحت أن المتهمين قادوا الفتاة إلى منزل بحجة امتلاك أحدهم لمفاتيحه، قبل أن يُجبروها على الدخول، حيث تناوب ثلاثة أشخاص على اغتصابها بعنف شديد، وهددوها بالقتل إن أفشت ما جرى، مؤكدين أنهم قاموا بتصويرها.
وبحسب رواية الأم، وقعت الجريمة بتاريخ 23 سبتمبر 2025، قبل أن يترك الجناة الضحية في حالة صحية حرجة أمام نادي الشعلة بسنار. وأضافت أن الشرطة باشرت الإجراءات، وتم عرض الفتاة على الطبيب الشرعي في كوستي، الذي أثبت واقعة الاغتصاب بشكل قاطع.
وأكدت والدة الضحية أن النيابة وجّهت الاتهام للمتهمين الثلاثة تحت المادة (149) اغتصاب، والمادة (121) اشتراك جنائي، وتم إلغاء ضماناتهم وإيداعهم السجن، مشيرة إلى أن جلسات المحكمة كانت مفتوحة، وشهدت حضور الطبيب الشرعي الذي أدلى بشهادته تحت القسم، مؤكداً أن الفتاة كانت بكراً وتعرضت لاعتداء عنيف.
وأشارت إلى وجود محاولات، وصفتها بـ”المشبوهة”، لتغيير توصيف الجريمة من اغتصاب إلى زنا، مقابل أموال، معتبرة ذلك اعتداءً مضاعفاً على شرف ابنتها وعلى مهنة العدالة. كما كشفت عن تعرضها لضغوط وعروض مالية ضخمة من ذوي المتهمين وصلت – بحسب قولها – إلى 70 مليار جنيه، مقابل التنازل وإطلاق سراح الجناة، مؤكدة رفضها القاطع لأي تسوية مالية.
وأعربت الأم عن شكرها للمحامين الذين تولوا القضية، مؤكدة أنهم واجهوا إغراءات مالية كبيرة، وتمسكوا بموقفهم المهني، لكنها ناشدت بتقديم العون لسداد ما تبقى من أتعابهم، موضحة أن ظروفها المعيشية لا تسمح بذلك، ومشددة على أن “الشرف لا ثمن له”.
من المحرر : تنشر السودان الآن هذه الإفادات كاملة التزاماً بحق الرأي العام في الاطلاع، مع التأكيد على أن عدم التعليق على جوهر القضايا المنظورة أمام المحاكم ينسجم مع مبادئ العدالة واحترام سير الإجراءات القانونية، وحساسية قضايا الاغتصاب على وجه الخصوص. وتشدد الصحيفة على أن الأحكام القضائية تُبنى على الأدلة والوقائع المعروضة أمام المحكمة، بما يضمن حق المتهم في محاكمة عادلة، وحق الضحية في إنصاف كامل، وفقاً لما يقرره القانون.
