كتب / عبد الهادي عبد الله
يفتح قرار رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس تشكيل ”الآلية الوطنية لمكافحة جرائم المعلوماتية“ باباً جديداً للقلق بشأن مستقبل حرية الصحافة والتعبير في البلاد، في وقت تواجه فيه الحكومة انتقادات متزايدة بسبب تراجع الخدمات وتخبط القرارات، بينما تتصاعد الشكاوى من محاولات بعض المسؤولين التأثير على الصحفيين وإسكات الأصوات التي تنتقد الأداء الحكومي وتكشف الفساد.
وبينما تبرر السلطات الخطوة بحماية الأمن الرقمي والاستقرار المجتمعي، تبرز مخاوف من أن تتحول الصلاحيات الواسعة والعبارات القانونية الفضفاضة إلى أدوات لملاحقة النقد العام، بدلاً من توجيه الجهود نحو مكافحة خطاب الكراهية والتحريض على العنف وتعزيز الشفافية والمساءلة.
وأصدر إدريس قراراً بتشكيل الآلية برئاسة مساعد النائب العام، وعضوية ممثلين عن الجهات ذات الصلة، وقالت الحكومة إن الخطوة تستهدف تعزيز الأمن الرقمي وحماية الاستقرار المجتمعي. لكن طبيعة الصلاحيات الممنوحة للآلية، واتساع نطاق اختصاصها المتعلق بالنشر ومتابعة المحتوى الإعلامي والرقمي، يثيران أسئلة جوهرية بشأن الحدود الفاصلة بين مكافحة الجرائم المعلوماتية وحماية المسؤولين والمؤسسات العامة من النقد والمساءلة.
وبحسب القرار، تختص الآلية بمكافحة جرائم المعلوماتية والنشر الذي تصفه السلطات بأنه ضار أو مخل بأمن الدولة والمجتمع، إلى جانب رصد المحتوى المنشور عبر الوسائط الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، واتخاذ الإجراءات الوقائية والقانونية اللازمة، ورفع الدعاوى القضائية نيابة عن الدولة في القضايا التي ترى أنها تهدد الأمن الوطني أو أمن المجتمع.
ولا تكمن الإشكالية في مبدأ مكافحة الجرائم المعلوماتية ذاته، إذ تحتاج المجتمعات إلى تشريعات تحمي الأفراد من الابتزاز والاحتيال والتهديد وانتهاك الخصوصية، وإنما في طبيعة التعريفات القانونية وحدود الصلاحيات والجهات التي تملك تفسيرها وتطبيقها. فحين تُستخدم تعبيرات واسعة مثل ”النشر الضار“ أو ما يمس ”أمن الدولة والمجتمع“، من دون ضوابط واضحة ومحددة، يصبح المجال مفتوحاً أمام تفسيرات قد تتجاوز الجرائم الفعلية لتطال الصحافة الاستقصائية والتقارير الناقدة لأداء الحكومة والمؤسسات العامة.
وتزداد خطورة هذه المخاوف في ظل غياب مجلس تشريعي فاعل يتولى مناقشة القوانين ومراجعة الصلاحيات التنفيذية ومراقبة تطبيقها، بما يحد من احتمالات إساءة استخدامها. فالتشريعات التي تمس حرية التعبير لا ينبغي أن تُترك لتقديرات الجهات التنفيذية وحدها، بل يجب أن تستند إلى معايير قانونية واضحة، ورقابة مستقلة، وضمانات تكفل حق الأفراد في الاعتراض والطعن أمام القضاء.
وكان الأجدر بالحكومة، إذا كانت تسعى فعلاً إلى حماية الاستقرار المجتمعي، أن تضع مكافحة خطاب الكراهية والتحريض على العنف ضمن أولوياتها التشريعية، من خلال قواعد محددة تجرّم الأفعال الضارة بوضوح، مع ضمان عدم تحويل مكافحة الخطاب المحرض إلى وسيلة لمعاقبة الآراء المخالفة أو النقد السياسي. فخطاب الكراهية، حين يستهدف جماعات على أساس هويتها أو يدفع نحو العنف والإقصاء، يمثل خطراً على التماسك الاجتماعي، خصوصاً في بلد أنهكته الحرب والاستقطابات والانقسامات المجتمعية.
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار انتقاد الحكومة أو كشف أوجه القصور في أدائها تهديداً للاستقرار لمجرد أن النقد يحرج مسؤولاً أو يكشف إخفاق مؤسسة عامة. فالصحافة لا تؤدي وظيفتها من خلال نقل تصريحات المسؤولين وحدها، وإنما عبر اختبار تلك التصريحات ومقارنتها بالواقع، والتحقيق في أوجه القصور، ومساءلة أصحاب القرار، وإتاحة المعلومات التي يحتاج إليها الجمهور لتكوين رأي مستقل.
إن حصر المجال العام في الرواية الرسمية يضعف قدرة المجتمع على معرفة ما يجري، ويقلص فرص تصحيح الأخطاء قبل تفاقمها. كما أن التعامل مع الصحفيين الذين يكشفون الفساد باعتبارهم مصدر إزعاج بدلاً من النظر إلى عملهم باعتباره جزءاً من الرقابة المجتمعية، قد يشجع على إخفاء المعلومات ويمنح المسؤولين المقصرين مساحة أكبر للإفلات من المساءلة.
ومن هنا، فإن إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم العمل الصحفي والإعلامي، تتمتع بضمانات قانونية تحول دون خضوعها لتوجيه السلطة التنفيذية، سيكون أكثر اتساقاً مع الحاجة إلى تنظيم مهني يحمي حقوق الصحفيين والجمهور. وينبغي أن تقوم مثل هذه الهيئة على الاستقلال والشفافية والتعددية، وأن تتولى وضع المعايير المهنية والنظر في الشكاوى وفق إجراءات عادلة، بدلاً من ترك تنظيم المجال الصحفي رهناً بآليات أمنية أو تنفيذية قد تتعارض اختصاصاتها مع حرية النشر.
وقد حذّر منتدى الإعلام السوداني في يونيو 2025 من أن مقترحات تعديل ”قانون الصحافة والمطبوعات الصحفية“ قد تؤدي إلى مزيد من القيود على حرية الإعلام، ودعا إلى إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم العمل الصحفي. ويعكس هذا التحذير جدلاً أوسع بشأن الجهة التي ينبغي أن تنظم العمل الإعلامي، والضمانات المطلوبة لمنع استخدام التشريعات في تقييد التغطيات الصحفية المتعلقة بأداء الحكومة.
كما تشير منظمة ”مراسلون بلا حدود“ إلى أن قانون جرائم المعلوماتية السوداني وقانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009 يتضمنان قيوداً تؤثر في حرية الصحفيين، فيما زادت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 الضغوط والاعتداءات على العاملين في الإعلام. وفي مثل هذا السياق، فإن منح آلية جديدة صلاحيات واسعة في متابعة المحتوى واتخاذ الإجراءات القانونية يستدعي إعلان تفاصيل اختصاصاتها وآليات عملها بصورة تتيح للصحفيين والجمهور تقييم أثرها الفعلي على الحقوق والحريات.
وتقدم التجربة السودانية السابقة سبباً إضافياً للحذر من التشريعات الفضفاضة. فقد استُخدمت قوانين وإجراءات خلال عهد الرئيس المعزول عمر البشير لتقييد الحريات العامة وتوسيع سلطة الأجهزة الأمنية، ومن أبرز الأمثلة ”قانون النظام العام“ الذي ارتبط بتدخلات واسعة في الحياة الشخصية والاجتماعية وانتهاكات للحقوق. ولا يعني ذلك أن كل تشريع جديد سيؤدي بالضرورة إلى النتائج نفسها، لكنه يوضح أهمية وضع ضمانات مسبقة تمنع تحول النصوص القانونية إلى أدوات للضبط السياسي والاجتماعي.
وتواجه الحكومة، في ظل تراجع الخدمات والضغوط الاقتصادية والمعيشية، حاجة ملحة إلى استعادة ثقة المواطنين عبر تحسين الأداء العام، ونشر المعلومات، ومكافحة الفساد، والاستماع إلى الانتقادات. أما توسيع أدوات مراقبة النشر من دون ضمانات واضحة، فقد يؤدي إلى تعميق انعدام الثقة وإضعاف المساحة المتاحة للنقاش العام في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مزيد من الشفافية والتواصل بين الدولة والمجتمع.
ويبقى الاختبار الحقيقي للآلية في كيفية تطبيق الصلاحيات الممنوحة لها: هل ستقتصر على الجرائم المعلوماتية المحددة قانوناً، أم ستمتد إلى مواد صحفية تنتقد المسؤولين وتكشف أوجه القصور ؟ وهل ستخضع إجراءاتها لرقابة قضائية مستقلة، مع ضمان حق الدفاع والطعن والمحاكمة العادلة ؟ وهل ستُعلن معايير واضحة تميّز بين التحريض على العنف وخطاب الكراهية من جهة، والنقد السياسي والصحفي المشروع من جهة أخرى ؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بمجرد إعلان تشكيل الآلية، وإنما من خلال نصوص القرار التفصيلية والممارسات التي ستتبعها. فحماية المجتمع لا تتحقق بإسكات منتقدي الحكومة، كما أن مكافحة الجرائم المعلوماتية لا ينبغي أن تكون غطاءً لتقييد حرية الصحافة أو حماية المسؤولين من المساءلة. وفي بلد يواجه حرباً وأزمة إنسانية واقتصادية عميقة، تظل الحاجة أكبر إلى مؤسسات مستقلة وقوانين محددة وضمانات فعلية للحقوق، لا إلى صلاحيات واسعة تترك حدودها لتقدير السلطة.