جوبا – السودان الآن

وقّع السودان وجنوب السودان، في ختام اجتماعات اللجنة السياسية الأمنية المشتركة، التي انعقدت في العاصمة جوبا خلال الفترة من 9 إلى 11 أغسطس الجاري، على قرارات ومخرجات الاجتماع المشترك بين وفدي البلدين.

ووقّع عن الجانب السوداني وزير الدفاع الفريق حسن داوود كبرون، فيما وقّع عن جانب حكومة جنوب السودان وزير الدفاع وشؤون قدامى المحاربين الفريق أول شول طون.

إعلان

وأكد الجانبان تعزيز التعاون وإحكام التنسيق بين البلدين في القضايا ذات الصلة بعمل اللجنة السياسية الأمنية المشتركة، بما يدعم الأمن والاستقرار في البلدين.

وكان وزير الدفاع السوداني قد وصل إلى جوبا الأحد على رأس وفد رفيع المستوى للمشاركة في اجتماعات اللجنة، وكان في استقباله بمطار جوبا الدولي وزير دفاع جنوب السودان الفريق أول شول طون، ورئيس هيئة الأركان بقوات دفاع شعب جنوب السودان الفريق أول سانتينو دينق، إلى جانب عدد من كبار الضباط.

وناقشت اجتماعات اللجنة عدداً من القضايا السياسية والأمنية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين.

وفي إطار الزيارة، أجرى كبرون زيارة إلى مقر وزارة الدفاع بجمهورية جنوب السودان، بحضور القائم بالأعمال بسفارة السودان في جوبا السفير مبارك محجوب، وممثل رئيس هيئة الأركان بالقوات المسلحة السودانية اللواء الوليد عجبنا، والملحق العسكري بالسفارة العميد الركن مصطفى الملثم.

وكان في استقبال الوفد وزير الدفاع وشؤون قدامى المحاربين الفريق أول شول طون، ورئيس الأركان بقوات دفاع شعب جنوب السودان الفريق أول سانتينو دينق.

وبحث الجانبان عدداً من القضايا المتعلقة بأعمال اللجنة السياسية الأمنية المشتركة، إلى جانب تعزيز التعاون والتنسيق بشأن الحدود المشتركة، بما يضمن ضبط الإجراءات المتصلة بحركة الأشخاص عبر الحدود، ويسهم في الحفاظ على الأمن والسلام في المناطق الحدودية بين البلدين.

ولم يعلن الجانبان حتى الآن تفاصيل القرارات والمخرجات التي جرى التوقيع عليها، أو النتائج التفصيلية للمباحثات السياسية والأمنية، فيما اقتصر الإعلان على التأكيد على تعزيز التعاون والتنسيق في القضايا ذات الصلة بعمل اللجنة السياسية الأمنية المشتركة.

تأتي اجتماعات اللجنة السياسية الأمنية المشتركة بين السودان وجنوب السودان في ظل ملفات عالقة ومعقدة منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، أبرزها منطقة أبيي، وأمن الحدود، والنفط، وحركة اللاجئين والمواطنين بين البلدين، إلى جانب تأثير الحرب الدائرة في السودان على أمن واستقرار جنوب السودان.

وتمثل أبيي أحد أبرز الملفات الخلافية بين البلدين. فالمنطقة الغنية بالنفط ظلت محل نزاع حول تبعيتها وترتيبات إدارتها وأمنها، ولم يُحسم وضعها النهائي حتى الآن. وتواصل قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي (يونيسفا) العمل على حفظ الأمن في المنطقة ودعم جهود خفض التوتر بين المجتمعات المحلية، في ظل استمرار وجود مخاطر أمنية متقطعة. وفي أبريل 2026، دعمت يونيسفا اتفاقاً بين قيادات من مجتمعَي نقوك دينكا والمسيرية للحد من انتشار الأسلحة في المنطقة وتعزيز المبادرات المحلية للسلام.

ويرتبط ملف أبيي كذلك بالحدود وترتيبات الأمن بين البلدين، إذ لم يتم حتى الآن التوصل إلى تسوية نهائية للحدود في بعض المناطق المتنازع عليها، فيما تمثل الحدود الطويلة بين السودان وجنوب السودان ممراً لحركة السكان والتجارة، وفي الوقت نفسه مصدر تحديات أمنية بسبب نشاط الجماعات المسلحة والتهريب وانتشار السلاح.

أما النفط فيمثل ملفاً بالغ الحساسية، إذ يعتمد جنوب السودان بدرجة كبيرة على صادرات النفط، بينما تمر أجزاء رئيسية من إنتاجه عبر الأراضي والبنية التحتية السودانية وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر. وقد أدى النزاع في السودان إلى تهديد طرق تصدير النفط وتعطيل أجزاء من البنية التحتية، ما انعكس على اقتصاد جنوب السودان واستقراره المالي.

كما دفعت المخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب في السودان جوبا إلى اتخاذ ترتيبات لحماية منشآت النفط، بما في ذلك اتفاق ثلاثي في ديسمبر 2025 بين جنوب السودان والقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع بشأن نشر قوات جنوب سودانية لتأمين حقل هجليج النفطي، وفق تقرير للأمم المتحدة، مع بقاء الترتيب هشاً بسبب استمرار الصراع في السودان.

ويشكل الوضع الأمني على الحدود ملفاً آخر مستمراً بين البلدين. فقد أدت سنوات التوتر والصراعات الداخلية في البلدين إلى تحركات مسلحة وعمليات نزوح عبر الحدود، كما زادت الحرب السودانية من المخاوف في جوبا بشأن انتقال المقاتلين والأسلحة وتراجع القدرة على ضبط الحدود. وأشارت الأمم المتحدة إلى أن الحرب في السودان فرضت تحديات أمنية على جنوب السودان بسبب التحركات العابرة للحدود للجماعات المسلحة وضعف الرقابة الحدودية وزيادة تداول الأسلحة.

ويأتي ملف اللاجئين في مقدمة الملفات الإنسانية التي تربط البلدين. فمنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، تدفق أكثر من 1.3 مليون شخص إلى جنوب السودان، بينهم لاجئون وطالبو لجوء وعائدون من جنوب السودان، ما شكل ضغطاً كبيراً على الموارد والخدمات المحدودة في البلد المضيف. كما تستضيف جنوب السودان أعداداً كبيرة من اللاجئين السودانيين، بينما لا يزال ملايين من مواطني جنوب السودان لاجئين في دول الجوار، وهو ما يجعل قضايا العودة الطوعية والآمنة، وحماية اللاجئين، وتنظيم الحركة عبر الحدود ملفات دائمة في العلاقة بين البلدين.

وتضاعفت أهمية هذا الملف مع استمرار الحرب السودانية، إذ تستضيف جنوب السودان حالياً مئات الآلاف من اللاجئين وطالبي اللجوء القادمين أساساً من السودان، في وقت تواجه فيه جوبا نفسها أزمات داخلية تتعلق بالنزوح والصراع وانعدام الأمن الغذائي والفيضانات.

وبذلك، فإن اجتماعات اللجنة السياسية الأمنية المشتركة لا تتعلق بالترتيبات العسكرية وحدها، وإنما تتقاطع مع أمن الحدود، وأبيي، وحماية منشآت النفط وطرق تصديره، وحركة السكان واللاجئين، ومكافحة التهريب وانتشار السلاح، وهي ملفات ظلت تؤثر بصورة مباشرة في استقرار العلاقة بين الخرطوم وجوبا منذ الانفصال.