كتب / عبد الهادي عبد الله
تشهد الساحة السودانية فصلاً جديداً من فصول العبث السياسي والأمني، تمثل في إعلان ما تسمى “حكومة التأسيس” عن تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة مليشيا الدعم السريع بإقليم دارفور.
ولا يمكن عزل هذه الخطوة عن سياق المخططات الرامية إلى فرض واقع انفصالي جديد في الإقليم، وتكريس تحالف مصلحي مريب يجمع بين الميليشيا والحركة الشعبية لتحرير السودان ”شمال“، وهو تحالف يستغل تطلعات ومظالم المجتمعات المحلية كغطاء لتمرير أجندة التقسيم.
إن خطوة تنظيم الامتحانات في دارفور غارقة في التناقض والزيف؛ فالجنجويد الذين يزعمون اليوم حرصهم على مستقبل الطلاب، هي ذات الميليشيا التي تفرض حصاراً خانقاً على الطرق وتمنع الطلاب والطالبات من السفر إلى الولايات الآمنة الواقعة تحت سيطرة الدولة السودانية للجلوس للامتحانات الرسمية.
وقد واجه الطلاب في مناطق سيطرة الجنجويد أبشع أنواع الانتهاكات منذ عام 2024 مع استئناف العمل في المؤسسات التعليمية، حيث احتجزت الميليشيا واعتقلت المئات من الذين حاولوا الجلوس للامتحانات، بينما اضطر بعض الطلاب للسفر إلى دولة جنوب السودان للجلوس للامتحانات بالتنسيق بين الخرطوم وجوبا خلال امتحانات 13 أبريل الماضي، ولا تزال معابر التهريب هي الوسيلة الوحيدة والخطرة للتنقل، مما يسقط الخطاب الممجوج الذي يحاول تصوير الجنجويد وحلفائهم كمنقذين للعملية التعليمية.
ولم يتوقف السعي نحو الانفصال عند ملف التعليم، بل تجاوز ذلك إلى ممارسات سيادية غير مسبوقة في تاريخ الحركات المسلحة بالسودان؛ شملت فتح بنك وتعيين محافظ سابق لبنك السودان المركزي لإدارته، وصولاً إلى تزوير العملة المحلية ”الفئات القديمة“ بتوقيعه، وهي الفئات التي استبدلتها الدولة السودانية رسمياً لحماية الاقتصاد الوطني من عمليات التزييف الممنهجة التي مارسها الجنجويد.
هذا التوجه الانفصالي الميداني، يفسر طبيعة الخلفية الأيديولوجية لهذا التحالف؛ فالحركة الشعبية ضمنت في مشروعها السياسي حق تقرير المصير للمنطقتين ”جبال النوبة/جنوب كردفان وإقليم النيل الأزرق“، أو تطبيق العلمانية كشرط للوحدة. ومع أن طيفاً واسعاً من السودانيين لا يرفضون العلمانية بمفهومها القائم على ”فصل الدين عن مؤسسات الدولة“ ويرون فيها مخرجاً للأزمة، إلا أن الممارسة الفعلية للحركة الشعبية تكشف فجوة ”سنوات ضوئية“ بين الشعار والواقع.
تتخذ الشعبية من العلمانية مجرد لافتة سياسية لاستدرار تعاطف السودانيين الذين اكتووا بنيران الاستبداد باسم الدين؛ بينما تعيد في مناطق سيطرتها إنتاج مشروع قبلي وجهوي ضيق لا يختلف في جوهرها عن ممارسات الأحزاب التقليدية أو الشمولية. إن الهدف الحقيقي يتلخص في التركيز على الانفصال عبر استغلال المظالم التاريخية، وقد وجدت ميليشيا الجنجويد في هذا الطرح ضالتها لتبرير سيطرتها على إقليم دارفور.
ولعل المشكلة هنا ليست في الشعار، وإنما فيمن يرفعه؛ فالحركة الشعبية التي تتحدث عن الدولة العلمانية والعدالة والمواطنة، تمارس على الأرض نموذجاً سياسياً وقبلياً لا يختلف كثيراً عن تجارب الهيمنة القديمة التي تدّعي محاربتها، وما يحدث داخل مناطق سيطرتها من صراعات قبلية وتصفية خلافات ونهب وانتهاكات يكشف بوضوح التناقض الهائل بين الخطاب والممارسة.
والأخطر من ذلك، أن الحركة الشعبية، التي يفترض أنها تحمل مشروعاً سياسياً، اختارت أن تتحالف مع أكثر المليشيات دموية في تاريخ السودان الحديث، وهي ذات القوة المتهمة بارتكاب جرائم واسعة في دارفور والخرطوم وكردفان والجزيرة وغيرها، وهذا التحالف وحده كافٍ لنسف أي حديث أخلاقي عن الديمقراطية أو العدالة أو حقوق الإنسان.
وفي المقابل، قبلت الشعبية التحالف مع الجنجويد لعدم قدرتها على تحقيق أهدافها الانفصالية منفردة في ظل المتغيرات الحالية وتمدد الوعي الاجتماعي بالحقوق. وتظل تجربة انفصال جنوب السودان المريرة للشعبين شاهداً حياً ودليلاً مقنعاً لكل المجتمعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق بأن الارتماء في أحضان المشاريع الانفصالية لا يجلب سوى مزيد من الدمار والتمزق الاجتماعي والتفتيت الاقتصادي.
ومع كل هذه المحاولات لتحويل إقليم دارفور إلى مستعمرة تابعة لـ ”الإمارات“ بهدف نهب موارده وطرد سكانه الأصليين واستبدالهم بشرائح جديدة امتداداً لسياسات التطهير التي بدأت في عهد المخلوع عمر البشير، فإن هذه الخطط ستتحطم أمام صخرة الإرادة السودانية الجمعية الرافضة لتفتيت البلاد.
إن الضحية الأول والأخير لهذه المغامرة السياسية في قضية التعليم هم الطلاب أنفسهم؛ فالشهادة التي يعتزم الجنجويد إصدارها لن تحظى بأي اعتراف محلي أو دولي. وداخلياً، دمرت الميليشيا الجامعات في مناطق سيطرتها ونهبت ممتلكاتها. وخارجياً، لن تقبل أي دولة أو مؤسسة أكاديمية تحترم معايير التعليم المنظم شهادات صادرة عن معاهد وهيئات غير شرعية أو ”مزورة“، مما يعني إدخال مستقبل جيل كامل في نفق مظلم من أجل مكاسب سياسية مؤقتة.