كتب / عبد الهادي عبد الله

في الدول التي تمر بالحروب، لا ينتظر المواطن من حكومته المعجزات، لكنه ينتظر الصدق، ينتظر أن تعترف بحجم الأزمة، وأن تتحدث بواقعية عن التحديات، وأن تضع خطة واضحة للخروج منها. أما عندما يتحول الخطاب الرسمي إلى مساحة واسعة للترويج للإنجازات، بينما يزداد الواقع قسوة يوماً بعد آخر، فإن أول ضحايا هذه السياسة تكون الثقة المجتمع.

في السودان، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالتصريحات الحكومية لا تكاد تتوقف عن الحديث عن عودة الحياة الطبيعية، واستعادة الخدمات، وتحسن الأوضاع الإنسانية، في حين أن المواطن الذي يعيش داخل المدن والولايات التي تم إستعادتها يواجه واقعاً مختلفاً تماماً؛ كهرباء متقطعة، مياه غير مستقرة، مدارس لم تستعد جاهزيتها، ومستشفيات تعاني من نقص الإمكانات، وأسواق أنهكها الغلاء وانخفاض القدرة الشرائية.

إعلان

ليست المشكلة في أن الحكومة تتحدث عن إنجازاتها، فهذا حق مشروع لأي سلطة، وإنما المشكلة عندما تصبح الدعاية بديلاً عن الإنجاز، ويصبح الإعلام الرسمي أكثر نشاطاً من مؤسسات الدولة نفسها.

ما يحدث في ولاية الخرطوم يمثل نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة. فبينما تنشغل الجهات الرسمية بحملات التحسين البصري، وإعادة طلاء الأرصفة، وتنظيف بعض الشوارع، لا تزال آلاف الأسر تبحث عن أبسط مقومات الحياة. فالمدينة لا تعود إلى الحياة بمجرد تحسين مظهرها، وإنما عندما يعود إليها الأطباء والمعلمون والعمال، وعندما يجد المواطن الكهرباء والمياه والعلاج والتعليم والأمن وفرص العمل.

الحكومة تبدو وكأنها تراهن على أن تغيير المشهد البصري سيقنع الناس بأن الأوضاع قد تحسنت، لكنها تتجاهل أن المواطن لا يقيس أداء الدولة بلون الأرصفة، وإنما بما يصل إلى منزله من خدمات.

ومن أكثر ما يثير القلق أن مظاهر ضعف الإدارة لم تعد خافية على أحد. فبطء تنفيذ مشروعات إعادة الإعمار، وتعثر إعادة تأهيل المرافق العامة، وتأخر استعادة الخدمات الأساسية، كلها مؤشرات على أن الأزمة ليست فقط أزمة موارد، وإنما أيضاً أزمة إدارة وأولويات.

الحرب بلا شك استنزفت قدرات الدولة، لكن سوء الإدارة قادر على مضاعفة آثارها. فالدول الخارجة من الحروب لا تنهض فقط بما لديها من أموال، وإنما بما تمتلكه من مؤسسات كفؤة، وآليات رقابة، وإدارة رشيدة للموارد. وعندما تغيب هذه العناصر، تصبح حتى الموارد المتاحة عاجزة عن تحقيق نتائج ملموسة.

ومن هنا تأتي أهمية الشفافية. فقد أدى تداول معلومات وتقارير صحفية حول عقود حكومية وأوجه صرف مختلفة إلى اتساع دائرة التساؤلات لدى الرأي العام. وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي النفي أو الصمت، بل يصبح نشر المعلومات، وتمكين أجهزة الرقابة، وإعلان نتائج أي تحقيقات، ضرورة لحماية الثقة العامة. فالمواطن يريد أن يعرف كيف تُدار موارده، وكيف تُحدد الأولويات، وكيف تُصرف الأموال العامة.

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالعودة إلى العاصمة أو إلى المؤسسات الحكومية لا يمكن أن تنجح بمجرد إصدار القرارات، إذا كانت الرواتب تتأخر، وتكاليف المعيشة ترتفع، وفرص العمل البديلة محدودة. كما أن أصحاب المشروعات الصغيرة، الذين يُفترض أن يكونوا نواة التعافي الاقتصادي، يشتكون من تعدد الرسوم والجبايات، وهو ما يضعف قدرة القطاع الخاص على المساهمة في إعادة البناء.

أما في قطاع التعليم، فإن استمرار تعثر تأهيل المدارس الحكومية يدفع كثيراً من الأسر إلى التردد في العودة، أو إلى تحمل أعباء المدارس الخاصة، وهو واقع يهدد بتوسيع الفجوة التعليمية والاجتماعية في مرحلة يحتاج فيها السودان إلى الاستثمار في الإنسان أكثر من أي وقت مضى.

وفي الملف الأمني، فإن استعادة السيطرة العسكرية على مناطق واسعة لا تعني تلقائياً استقراراً مجتمعياً. فاستمرار بعض الجرائم المرتبطة بالسرقة والنهب وغيرها يفرض على الدولة أن تنظر إلى الأمن باعتباره منظومة متكاملة تشمل إنفاذ القانون، وتحسين الظروف الاقتصادية، واستعادة مؤسسات العدالة، وليس مجرد انتشار للقوات.

الأخطر من ذلك كله هو تنامي خطاب التخوين تجاه كل من ينتقد الأداء الحكومي. فمن غير المقبول أن يتحول أي مواطن يشتكي من ضعف الخدمات أو ينتقد إدارة الشأن العام إلى متهم بالانتماء السياسي أو بالعمل ضد الدولة. فالدول القوية لا تخشى النقد، بل تعتبره أداة لتقويم السياسات وتصحيح الأخطاء.

إن السودان يقف اليوم أمام اختبار حقيقي. فمرحلة ما بعد استعادة السيطرة على الأرض يجب أن تتحول إلى مرحلة لاستعادة ثقة الإنسان. وهذه الثقة لن تُبنى عبر المؤتمرات الصحفية ولا عبر الحملات الإعلامية، وإنما عبر خدمات تصل إلى المواطنين، ومؤسسات تعمل بكفاءة، وإدارة تخضع للمساءلة، وسياسات اقتصادية تخفف الأعباء عن الناس.

لا أحد ينكر أن الحكومة تعمل في ظروف استثنائية فرضتها الحرب، ولا أحد يتوقع حلولاً سحرية لأزمات تراكمت على مدى سنوات. لكن ما يطالب به السودانيون ليس المستحيل؛ بل إدارة رشيدة، وأولويات واضحة، وشفافية في المال العام، ومحاسبة للمقصر، وإرادة سياسية تضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبار.

فالتاريخ لا يتذكر الحكومات التي أتقنت الخطابة، بل يتذكر الحكومات التي استطاعت أن تجعل حياة الناس أفضل. أما إذا بقيت الإنجازات حبيسة البيانات الرسمية، وظل الواقع يروي قصة مختلفة، فإن الفجوة بين الدولة والمجتمع ستتسع، وسيصبح استعادة الثقة أصعب بكثير من استعادة المدن.