الخرطوم – السودان الآن

أثار ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة الحوار السوداني–السوداني المزمع عقده داخل السودان انتقادات واسعة من عدد من القوى السياسية السودانية، التي اعتبرت أن تأييد المبادرة في هذه المرحلة جاء سابقاً لأوانه، وسط تحذيرات من إمكانية استخدام العملية السياسية لإضفاء شرعية على أحد «أطراف الحرب».

وكانت مفوضية الاتحاد الأفريقي قد رحبت، في بيان صادر في 31 أغسطس 2026، بإطلاق مبادرة لتهيئة الحوار السوداني–السوداني داخل البلاد، تحت إشراف لجنة مستقلة من الشخصيات السودانية، داعية إلى أن تشمل المشاورات مختلف القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، وفق مبادئ الشمول والملكية والقيادة السودانية للعملية السياسية.

إعلان

وقالت المفوضية إن المبادرة تعزز خارطة طريق الاتحاد الأفريقي ومسار الآلية الخماسية، في إطار استراتيجية تقودها الأطراف السودانية، بهدف الوصول إلى سودان موحد وذي سيادة ومستقر.

من جانبه، انتقد رئيس ومؤسس حركة/جيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد أحمد النور، بيان مفوضية الاتحاد الأفريقي، واعتبر أن ترحيبها بما وصفه بـ«حوار قائد الانقلاب» يمثل، بحسب تعبيره، «ردة خطيرة» عن موقف الاتحاد الأفريقي الذي جمد عضوية السودان عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021.

وقال عبد الواحد إن الترحيب بحوار يسيطر عليه، بحسب وصفه، أحد «أطراف النزاع» يمثل «ضوءاً أخضر» لتكريس الانقسام الجغرافي في السودان، محذراً من أن ربط المبادرة بمسار الآلية الخماسية قد يفقد الآلية حياديتها ومصداقيتها.

واتهم رئيس حركة تحرير السودان الحوار الذي تدعو إليه «سلطة البرهان» بالسعي إلى إضفاء «شرعية زائفة» على الانقلاب وتمهيد الطريق لعودة الحركة الإسلامية إلى السلطة.

وأكد أن الحوار الحقيقي، من وجهة نظر الحركة، يجب أن يبدأ بوقف الحرب وإنهائها، يعقبه حوار حر بملكية وإرادة سودانية كاملة، لمعالجة جذور الأزمة الوطنية والوصول إلى تحول مدني ديمقراطي.

ودعا عبد الواحد الاتحاد الأفريقي والآلية الخماسية إلى الانحياز لإرادة الشعب السوداني وعدم، بحسب تعبيره، منح الشرعية لأي ترتيبات سياسية تعيد إنتاج السلطة العسكرية.

في المقابل، اتخذ حزب الأمة القومي موقفاً أكثر تحفظاً، مؤكداً أنه لا يعترض على مبدأ الحوار السوداني–السوداني، لكنه اعتبر أن ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي بالمبادرة جاء قبل اتضاح طبيعتها وأهدافها وآليات عملها بصورة كافية.

وقال الحزب إنه يقدر تأكيد المفوضية على مبادئ الملكية والقيادة السودانية، والحفاظ على وحدة السودان وسيادته، واستعادة الحكم المدني، والمشاركة الواسعة للقوى السياسية والمدنية والمجتمعية.

لكنه أشار إلى أن هناك حاجة لمزيد من الوضوح بشأن الجهة التي ستتولى إعداد وإدارة العملية السياسية، ومعايير المشاركة، وآليات اتخاذ القرار، وعلاقة المبادرة بالجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.

وشدد الحزب على أن أي عملية سياسية ذات مصداقية يجب أن تتضمن ضمانات واضحة تمنع هيمنة أي سلطة قائمة أو أي طرف من «أطراف النزاع» عليها، أو استخدامها لتحويل الوقائع العسكرية التي أفرزتها الحرب إلى شرعية سياسية.

وقال حزب الأمة إن القضية الأساسية لا تتمثل في ضرورة الحوار من عدمه، وإنما في كيفية تصميم الحوار، والجهة التي تملكه وتديره، والظروف التي ينعقد فيها، ومدى قدرته على الإسهام فعلياً في إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية وديمقراطية.

من جهته، استنكر حزب المؤتمر السوداني بيان الترحيب الصادر عن مفوضية الاتحاد الأفريقي، معتبراً أن المبادرة، بحسب موقف الحزب، تخدم عملية سياسية يسيطر عليها أحد «أطراف الحرب».

وقال الحزب إن من «المعيب»، بحسب بيانه، أن تسهم مفوضية الاتحاد الأفريقي في إضفاء الشرعية على ما وصفه بـ«مسرحية سياسية زائفة»، في وقت يرى فيه أن الأولوية يجب أن تتركز على وقف الحرب وإنهاء الكارثة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين.

وأشار إلى أن بيان الاتحاد الأفريقي جاء بعد أيام من اجتماع لـ «لقوى السودانية المناهضة للحرب»، قال إنه شهد إجماعاً واسعاً على رفض المبادرة بصيغتها الحالية.

وأكد حزب المؤتمر السوداني أن أي عملية سياسية حقيقية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج سلطة أحد «أطراف الحرب» أو فرض إرادته على السودانيين، محذراً من استخدام الحوار، بحسب وصفه، لتهيئة الطريق أمام عودة نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى السلطة.

وأضاف الحزب أن الحوار المقترح لن يقود، من وجهة نظره، إلى السلام، بل قد يهدد وحدة السودان ويلتف على تطلعات السودانيين لبناء دولة مدنية ديمقراطية.

في المقابل، أكدت لجنة مبادرة التهيئة للحوار السوداني–السوداني أن دورها لا يتمثل في إدارة الحوار أو فرض أطرافه وأجندته، وإنما يقتصر على تهيئة المناخ وبناء الثقة وتيسير المشاورات الأولية بين القوى السياسية والمدنية والمجتمعية داخل السودان وخارجه.

وقالت اللجنة إنها لا تدّعي لنفسها تمثيلاً أو تفويضاً فوق ما يتوافق عليه السودانيون أنفسهم، موضحة أن مهمتها تقوم على الاستماع إلى مخاوف الأطراف وتوقعاتهم، وجمع مقترحاتهم وتقريب وجهات النظر بينهم.

وأضافت أن هذه المشاورات تهدف إلى بلورة أجندة توافقية يشارك أصحاب المصلحة في تحديدها، دون فرض مسار جاهز أو أجندة مسبقة.

ودعت المبادرة القوى السياسية والمدنية والمجتمعية كافة إلى الدخول في مشاورات أولية حول شروط الحوار وضماناته ومعايير المشاركة والتمثيل، مؤكدة أن التوافق الوطني لا يبدأ بإعلان حوار جاهز، وإنما بالاستماع والتشاور وبناء الحد الأدنى من الثقة بين الأطراف.

كما أكدت اللجنة أن دور الدولة المطلوب ينبغي أن يقتصر على توفير الضمانات والتسهيلات والحماية اللازمة، بما يحفظ استقلالية الحوار وملكية السودانيين لمخرجاته، دون تدخل في تحديد أطراف العملية أو أجندتها أو نتائجها.

وقالت المبادرة إن هدفها يتمثل في الوصول إلى حوار وطني جاد ومستقل وآمن وشامل، يمهد لوضع لبنات مرحلة انتقالية مستقرة تُدار بالتوافق الوطني، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة.

وتكشف مواقف حركة/جيش تحرير السودان وحزب الأمة القومي وحزب المؤتمر السوداني عن استمرار التباين بين القوى السياسية بشأن مبادرة الحوار السوداني–السوداني التي حظيت بترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي.

ففي حين رفضت بعض القوى المبادرة بصورة قاطعة واعتبرتها محاولة لمنح شرعية سياسية لسلطة أحد «أطراف الحرب»، أكد حزب الأمة القومي أن اعتراضه لا يتعلق بمبدأ الحوار، وإنما بضرورة توفير ضمانات واضحة لاستقلالية العملية وشمولها وملكيتها السودانية.

ويأتي الجدل حول المبادرة في وقت تشهد فيه الساحة السودانية تحركات سياسية متزايدة للبحث عن مسار ينهي الحرب المستمرة في البلاد، وسط خلافات جوهرية حول أولوية وقف القتال، ومكان انعقاد الحوار، والجهة التي تديره، والقوى التي ينبغي أن تشارك فيه، والضمانات المطلوبة لضمان عدم هيمنة أي طرف على مخرجاته.

وتؤكد لجنة مبادرة التهيئة للحوار السوداني–السوداني أن مهمتها في المرحلة الحالية تقتصر على تهيئة المناخ وبناء الثقة وإجراء المشاورات الأولية، في وقت لا تزال فيه القوى السياسية السودانية منقسمة بشأن شروط الحوار وتوقيته والضمانات اللازمة لنجاحه.