كتب / عبد الهادي عبد الله
بينما تقرع طبول الذكرى الثالثة لاندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، تحتشد العواصم الأوروبية مجدداً تحت لافتة ”مؤتمر برلين الدولي حول السودان“ في نسخته الثالثة. ظاهرياً، يبدو المشهد كجهد إنساني دبلوماسي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن القراءة العميقة لما وراء الكواليس تكشف عن نزعة ”وصاية“ متجذرة، تعيد إنتاج مفاهيم الاستعمار الجديد بصيغة معاصرة، تستغل انكسار الدولة وفشل نخبها السياسية لتمرير أجندة الهيمنة الدولية.
تكمن المفارقة الكبرى في مؤتمر برلين في غياب أصحاب الشأن الحقيقيين؛ فبينما استُبعد السودان الرسمي، ورفض الحكومة السودانية برئاسة كامل إدريس المشاركة، ينبري المجتمع الدولي لتصميم مستقبل السودان في غرف مغلقة. هذا النهج يكرس فكرة أن الدولة السودانية باتت ”رجل أفريقيا المريض“ الذي يحتاج إلى وصي أجنبي، وهو امتداد لنظرة استعلائية ترى في الشعوب التي تعثرت في استقرارها السياسي مجرد حقول لتجارب الحلول المستوردة.
إن محاولة فرض ”مسار مدني“ معلب، يضم 40 شخصية تم اختيارها بعناية في برلين، ليست سوى محاولة لخلق شرعية موازية تتجاوز الإرادة الوطنية الحقيقية. وتأتي تحذيرات القوى الوطنية من ”اختطاف الصوت المدني“ لتؤكد أن المنظمين يبحثون عن واجهات سياسية تنفذ أجندة القوى الكبرى، لا عن تمثيل حقيقي لقواعد الشعب السوداني المطحون.
ما يثير الحنق في الوجدان السوداني هو أن هذا التكالب الدولي يترافق مع تطاول دول ”مجهرية“ بالمعنى الجغرافي والتاريخي تحاول احتلال القرار السوداني وتفتيت وحدته عبر دعم ”بندقية الجنجويد“ والمرتزقة. لقد تحول السودان بفعل فشل أنظمته السياسية المتعاقبة التي لم تحظَ يوماً بصبغة وطنية خالصة، إلى ساحة حرب بالوكالة، حيث يستخدم الاستعمار الجديد أذرعاً إقليمية ومليشيات متمردة لتركيع الدولة السودانية ونهب مواردها تحت غطاء ”المبادرات السياسية“.
يعيد مؤتمر برلين إنتاج إخفاقات باريس ولندن؛ فالمجتمع الدولي الذي يتحدث عن ”المسار الإنساني“ لم يوفِ بـ 16% من التزاماته السابقة، بينما يواصل تقديم وعود فارغة في قاعات الفنادق الفاخرة. استبعاد الدولة يجعل أي توصيات بشأن وقف إطلاق النار مجرد ”أمنيات“ لا تملك رصيداً على أرض الواقع.
إن الحقيقة المرة هي أن هذه المؤتمرات لا تهدف إلى صنع سلام دائم بقدر ما تهدف إلى إدارة الأزمة بما يضمن مصالح القوى الإقليمية والدولية المتصارعة. فتحول المؤتمر إلى منصة لتنافس الرباعية والخماسية يؤكد أن السودان أصبح مجرد ”كارت“ في لعبة جيوسياسية كبرى، بعيداً عن معاناة 29 مليون سوداني يواجهون شبح المجاعة.
إن ما يعيشه السودان اليوم هو الحصاد المر لعقود من الهشاشة المؤسسية وصراع النخب التي قدمت مصالحها الضيقة على مصلحة الوطن، مما شرع الأبواب أمام ”الوصاية“ الأجنبية. مؤتمر برلين، بصيغته الراهنة، مهدد بأن يكون حلقة جديدة في سلسلة المبادرات التي تعمق الانقسام وتشرعن التدخل الخارجي.
الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على ما ستعلنه برلين في 15 أبريل، بل في استعادة الوعي الوطني ورفض محاولات فرض “هياكل حكم موازية” أو استعمار جديد يتخفى خلف لافتات الإغاثة. كرامة السودان ووحدته لن تُصنع في برلين، بل على تراب السودان وبأيدي أبنائه الذين يرفضون أن تكون بلادهم لقمة سائغة في أفواه الطامعين.
