برلين – السودان الان | 14 أبريل 2026
أجندة المؤتمر.. ثلاثة مسارات وطموح محدود
تستضيف برلين يومي 14 و15 أبريل النسخة الثالثة من المؤتمر الوزاري الدولي حول السودان، في سلسلة سنوية أعقبت مؤتمري باريس 2024 ولندن 2025. والجديد في هذه النسخة إدراج مسار ثالث هو “المسار المدني السوداني”، إلى جانب المسارين السياسي الوزاري والإنساني، ويستهدف المؤتمر حشد الدعم الإنساني والدفع نحو السلام في ظل تصاعد أزمة النزوح والاحتياجات الإنسانية غير الملباة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا ليس مؤتمر سلام بالمعنى الدقيق.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، يُتوقع أن تحضر الجلسة الرئيسية وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، إلى جانب ممثلي الرباعية الدولية: الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، فضلاً عن تركيا وقطر وقيادات منظمات الخماسية. أما المسار الإنساني فيُعوّل عليه لحشد تعهدات مالية عاجلة، فيما يضم المسار المدني نحو 40 شخصية سودانية بهدف إصدار إعلان مشترك وتشكيل لجنة توجيه سودانية.
جدل التمثيل.. من يتحدث باسم السودان؟
يكشف التدقيق في قوائم المدعوين عن إشكالية جوهرية تتعلق بمعيار التمثيل. فبينما استُبعد طرفا النزاع المسلح، تصاعدت الانتقادات من أن المسار المدني يهيمن عليه أجسام موالية لقوات الدعم السريع، وهو ما جعل تحالف “تأسيس” يحذر من “اختطاف الصوت المدني الحقيقي” وإشراك واجهات لا تمثل قواعد جماهيرية حقيقية.
في المقابل، رفضت الحكومة السودانية المؤتمر جملةً وتفصيلاً، واعتبر رئيس الوزراء كامل إدريس أن نجاحه أو فشله مرتبط بمشاركتها، مؤكداً أن أي قرارات تصدر بغيابها لن تكون ملزمة للخرطوم. وفي السياق ذاته، اكتفى حاكم دارفور مني أركو مناوي بإيفاد منسق شؤون إنسانية بصفة مراقب فقط، واصفاً الدعوات بأنها “غير منسجمة مع طبيعة الأزمة”. كما أعلن تحالف القوى الوطنية مقاطعته الكاملة للمؤتمر ومقدماته.
وفي سياق المواقف السودانية، رحّبت حركة/جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور بانعقاد المؤتمر، مُثمّنةً حجم الحضور الإقليمي والدولي فيه. وطالبت الحركة في بيان بأن يخرج المؤتمر بقرارات تكفل وصول المساعدات الإنسانية لكافة المتضررين دون قيد أو شرط، وفتح المعابر الإنسانية، والضغط على أطراف النزاع لإقرار هدنة إنسانية وفق ما جاء في بيان الرباعية الدولية، وصولاً إلى وقف شامل لإطلاق النار تشارك فيه جميع القوى المسلحة، مع التأكيد على دعم التحول المدني الديمقراطي بمشاركة كافة المكونات السودانية.
الرهان الإنساني.. تعهدات أم وعود فارغة ؟
يُعوّل المنظمون على المسار الإنساني لحشد تمويل عاجل في ظل أزمة كارثية. غير أن مؤتمر لندن 2025 أخفق في التوصل إلى بيان ختامي موحد بسبب تعارض مواقف الإمارات من جهة ومصر والسعودية من جهة أخرى. ويخشى المراقبون تكرار هذا السيناريو في برلين، خاصة أن التمويل الإنساني السابق لم يبلغ سوى 16% مما هو مطلوب داخل السودان، فيما تشير التقارير إلى أن المساعدات لا تصل إلا لواحد من كل خمسة أشخاص محتاجين.
ثغرات بنيوية تهدد المخرجات
يعيد مؤتمر برلين، رغم أجندته الإنسانية والسياسية، إنتاج نفس الإخفاقات التي ميّزت المبادرات السابقة، لا سيما فيما يتعلق بضعف تمثيل الأطراف المؤثرة وغياب التقييم النقدي للتجارب الماضية. ويمكن إجمال الثغرات البنيوية في أربع نقاط:
أولاً: استبعاد طرفي النزاع المسلح يجعل أي توصيات حبراً على ورق. فلا يمكن لأي هدنة أن تتحول إلى واقع دون موافقة من يحملون السلاح. والمجتمع الدولي الجاد مطالب بالسعي لجمع الطرفين بالارتكاز على تفاهمات سابقة كاتفاق جدة، أو على مسار موازٍ يُقنع الأطراف المدنية بالجلوس معاً في حوار سوداني سوداني شفاف بعيداً عن الانحياز.
ثانياً: غياب تنسيق حقيقي بين الرباعية والخماسية، وتحوّل المؤتمر إلى منصة لتنافس مصالح القوى الإقليمية والدولية، يضعف أي إمكانية للتوافق على مقاربة موحدة.
ثالثاً: ضعف المعرفة الميدانية لدى بعض المشاركين وعدم استيعاب تعقيدات الأزمة السودانية في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والسياسية يجعل المقترحات المطروحة بعيدة عن جوهر المشكلة.
رابعاً: استمرار تجاهل وقف إطلاق النار كشرط مسبق لأي تسوية حقيقية يبقى العقبة الأساسية أمام أي مبادرة لوقف الأزمة.
مؤتمر برلين، بصيغته الراهنة، مهدد بأن يكون حلقة جديدة في سلسلة مبادرات غير فعالة، قد تسهم في تعميق الانقسام السياسي بدلاً من حله. والرهان الحقيقي ليس ما يُعلَن في 15 أبريل، بل ما سيتحقق على أرض السودان بعد أشهر، سواء في وصول المساعدات أو الاقتراب من وقف إطلاق النار. وما لم تُعد المقاربة الدولية تصميمها بشكل يعكس تعقيدات الواقع السوداني ويمنح الفاعلين المحليين دوراً مركزياً في عملية السلام، فإن معاناة الملايين ستتواصل.
ثلاث سنوات من الحرب والكارثة الإنسانية
في الخامس عشر من أبريل 2023، اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخرطوم، لتمتد سريعاً نحو دارفور وكردفان والنيل الأزرق، محوّلةً البلاد إلى ساحة حرب شاملة. ولم تكن الحرب وليدة لحظتها، بل تراكمت أسبابها عبر عقود من الهشاشة المؤسسية وصراع النخب على السلطة، قبل أن تنفجر إثر خلاف حاد بين قائدي الجيشين حول ترتيبات المرحلة الانتقالية.
يُصنّف السودان اليوم أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم، إذ نزح نحو 14 مليون شخص بينهم 9 ملايين داخل البلاد و4.4 مليون عبروا الحدود، فيما يعاني نحو 29 مليون شخص من انعدام حاد في الأمن الغذائي. وأعلن مراقبو الأمن الغذائي الدوليون عن تفشي المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان منذ أواخر 2024، ولا تزال تتمدد نحو مناطق جديدة.
وتتحمل النساء والأطفال العبء الأثقل في ظل انهيار المنظومة الصحية وشح التمويل الإنساني الذي لا يتجاوز 16% مما هو مطلوب، فيما تواصل المجتمع الدولي عقد المؤتمرات دون أن يُفضي ذلك إلى وقف فعلي لإطلاق النار.
