كتب / الهادي عبدالله
في واحدة من أهم جلسات مجلس الأمن الدولي بشأن الأزمة السودانية، رسم رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس خارطة طريق وطنية للخروج من نفق ”الأزمة الوجودية“ التي تهدد كيان الدولة، وسط تقاطعات دولية حادة بين الطرح الأمريكي الجديد والموقف الروسي المتمسك بالسيادة.
بلهجة واثقة ومسؤولة، خاطب رئيس الوزراء كامل إدريس أعضاء المجلس، مؤكداً أن المبادرة التي تقدمها حكومة السودان ”لا تنبع من وهم، بل من ضرورة، ولا تنبع من نصر، بل من مسؤولية“. وشدد على أن الهدف ليس كسب الحرب، بل إنهاء حلقة العنف التي عانى منها السودان لعقود، عبر إطار واقعي يشمل حماية المدنيين واستعادة سلطة الدولة: كأولوية قصوى لضمان الاستقرار. وتجميع مقاتلي الميليشيات في معسكرات محددة والبدء في إجراءات أمنية صارمة. وطرح تدابير سياسية واقتصادية لضمان جدية المسار وتأمين عودة النازحين.
تقاطع المبادرات
بينما كان إدريس يطرح رؤية الخرطوم، قدمت واشنطن عبر نائب مندوبها رؤية الإدارة الأمريكية الجديدة تحت قيادة الرئيس ”ترمب“، حيث كشف عن حل قدمه الوزير ماركو روبيو يرتكز على ”هدنة إنسانية“ فورية، محملاً الجيش والدعم السريع مسؤولية إنهاء الصراع.
وفي المقابل، جاء الموقف الروسي داعماً لمبدأ ”الملكية الوطنية“ الذي نادى به إدريس، حيث حذر المندوب الروسي من أي تحركات تتم ”خلف ظهر السودانيين“، مشدداً على أن حق الشعب السوداني في تحديد مستقبله أمر غير قابل للمساس.
كردفان.. جرس إنذار دولي
ولم يغب البعد الميداني عن المداولات، حيث عكس ممثل باكستان مخاوف المجتمع الدولي من اتساع رقعة الحريق، محذراً من أن تصبح كردفان ”الفصل الثاني من المأساة“، وهو ما عزز من وجاهة المطلب السوداني بضرورة تنفيذ بنود المبادرة الحكومية المتعلقة بحماية المدنيين ووقف التدهور الأمني.
تضع مبادرة حكومة السودان المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي؛ فبينما تطرح الخرطوم حلاً شاملاً يرتكز على ”استعادة الدولة“، تظل المواقف الدولية تتأرجح بين ضغوط ”الهدنة“ الأمريكية وحماية ”السيادة“ الروسية، في وقت لا يحتمل فيه الوضع الميداني مزيداً من الانتظار.
خُلاصة
المبادرة الوطنية بين ”المظلة الروسية“ و”الضغوط الأمريكية“
يكشف الربط بين خطاب رئيس الوزراء كامل إدريس وردود أفعال القوى الكبرى عن ”معركة إرادات“ دبلوماسية تدور خلف كواليس مجلس الأمن؛ حيث تطابق الرؤية السودانية-الروسية،
بدا واضحاً وجود ”نغمة مشتركة“ بين طرح الدكتور إدريس والموقف الروسي؛ فتشديد رئيس الوزراء على أن المبادرة ”نابعة من الداخل وليست مفروضة“ يتقاطع تماماً مع التحذير الروسي من اتخاذ قرارات ”خلف ظهر السودانيين“. هذا التطابق يمنح المبادرة الحكومية ”ظهيراً دولياً“ قوياً (فيتو محتمل) يحميها من أي محاولات لفرض وصاية خارجية أو تجاوز مؤسسات الدولة الرسمية في عملية التسوية.
أما هدنة ”روبيو“ مقابل ”نزع السلاح“: فيعني ذلك تركيز واشنطن عبر مبادرتها على الجانب الإنساني العاجل ”الهدنة“، بينما يذهب طرح كامل إدريس إلى أبعد من ذلك بمطالبته ”بتجميع الميليشيات ونزع السلاح“. هنا تبرز نقطة الاختبار : هل ستقبل واشنطن بدمج هدنتها ضمن الإطار الإجرائي للمبادرة السودانية؟ أم ستكتفي بالضغط للوصول لتهدئة مؤقتة دون معالجة جذور ”الأزمة الوجودية“ التي تحدث عنها رئيس الوزراء ؟
التحذير الباكستاني من تحول كردفان إلى ”فصل ثانٍ للمأساة“ يمنح مبادرة إدريس ”شرعية التنفيذ الفوري“؛ فالبنود المتعلقة بحماية المدنيين واستعادة سلطة الدولة يمكن أن تبدأ من كردفان كنموذج تطبيقي لقطع الطريق أمام السيناريوهات الكارثية التي تخشاها القوى الإقليمية.
