الخرطوم – السودان الآن | 27 يناير 2026
شهدت مدينة الدلنج تحولاً عسكرياً وسياسياً لافتاً، بعد انكسار الحصار المشترك الذي فرضه تحالف مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية (جناح الحلو).
ورغم أن الهزيمة العسكرية وتكبُّد خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات بات مشهداً متكرراً في خارطة الحرب الحالية، إلا أن تداعيات ما بعد المعركة وكسر الحصار على المدينة كشفت عن ”شرخ أخلاقي“ غير مسبوق في بنية التحالف المُحاصر.
وعقب تراجع القوات المُحاصرة، ضجت منصات التواصل الاجتماعي التابعة لأبواق إعلام مليشيا دعم السريع بلغة اتسمت بالعنف اللفظي والعنصرية تجاه حلفائهم في الحركة الشعبية، حيث تم تحميلهم المسؤولية كاملة عن الفشل الميداني، واستُخدمت أوصاف تحقيرية من شاكلة ”شرّابين المريسة“ و”الأمبايات“، في إشارة تعكس استعلاءً إقصائياً وبروز لغة ”الكراهية“ التي حلت محل شعارات ”النضال المشترك“.
عقلية الاستعلاء والإقصاء
وفي هذا السياق، يرى الناشط الحقوقي أيمن شرارة أن ما يستحق التوقف عنده ليس المفاجأة العسكرية، بل سلوك أتباع دقلو بعد الهزيمة؛ حيث كشفت عبارة ”فلنقاي يلاقي فلنقاي“ بوضوح عن عقلية لا تؤمن بالشراكة أو الاحترام.
ويؤكد شرارة أن هذا السلوك يفضح حقيقة التحالف الذي لم يقم على قضية قومية أو مشروع وطني، بل تأسس على مصالح شخصية ضيقة تتبخر عند أول اختبار حقيقي، ليتحول الحليف إلى متهم وتصوب البنادق سياسياً نحو الشريك قبل العدو.
واقع السيطرة المفقودة
وتشير القراءات الميدانية إلى أن الحرب انحصرت في نطاقات جغرافية ضيقة، حيث يتمسك كل طرف بمناطق نفوذه مع تجنب التمدد الحقيقي، وهو واقع تجلى بوضوح في ”الدلنج“ وقبلها في ”الفاشر“ و”بابنوسة“. فبينما يحاول ”الحلو“ السيطرة على مدن كبيرة لضمها لنفوذه، يصطدم بغياب القوة الكافية والسند الشعبي، مما يؤدي لسقوط محاولاته أمام المقاومة المنظمة.
سقوط القناع الأخلاقي
إن المشهد في الدلنج اليوم يضع المتابع أمام صورة واضحة : تحالفات مصلحة تنهار معها الشعارات عند أول هزيمة، لتظهر اللغة الحقيقية القائمة على الاحتقار.
إن هذه الحرب تُدار بلا رؤية وطنية وبأهداف متضاربة، بينما يبقى الأبرياء هم وحدهم من يدفعون ثمن هذه المغامرات العسكرية التي تفتقر للمبدأ وتتغذى على لغة الكراهية.
من جانبه، وثق الناشط إديتو دابري مشاهد الاحتفاء الشعبي العارم داخل الدلنج، حيث اختلطت دموع الأمهات والزغاريد بعناق الجنود والضباط. وتساءل دابري عن مصدر ”شرعية“ تلك القوى التي تدعي تمثيل الشعب بينما يخرج المواطنون للاحتفال بهزيمتها، مشيراً إلى أن المحبة الصادقة التي استُقبل بها القادة مثل كنغي محمد آدم أبكر، والجنرال نيام آدم صبي، والمقدم بدر الدين يوسف، هي الرد العملي على ”خباثة السياسيين“ الذين يتاجرون بمعاناة أهلهم.
نهاية الحصار وتجويع ”الأهل“
وتشير التقارير الميدانية إلى أن المواطن في الدلنج، الذي عاش تحت حصار المليشيا والتجويع المتعمد لأكثر من عامين، وجد في انتصار القوات المسلحة والقوة المشتركة “نسمة حرية” استعادت له طعم النوم الهادئ. وبينما يترحم النشطاء على أرواح الشهداء، وعلى رأسهم الأيقونة يحيى سليمان بوب، يبرز السؤال الوجودي لمقاتلي الحركة الشعبية : كيف يقاتل الجندي في صفوف من يحتقره ويصفه بـ ”الأمباي“، ويساهم في تجويع مجتمعه باسم قضايا زائفة ؟
إن انتصار الدلنج لم يكن استعادة للأرض فحسب، بل كان سقوطاً مدوياً للأقنعة، وتأكيداً على أن إرادة الشعوب لا تُشترى بالمال ولا تُكسر بلغة الكراهية.
