جنيف – السودان الآن
حذرت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان من تصاعد أنماط الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري في البلاد، قائلة إن أطراف النزاع تلجأ بصورة متزايدة إلى هذه الممارسات للسيطرة على السكان المحاصرين، بما يفاقم أزمة حماية المدنيين مع دخول الحرب عامها الرابع.
وقالت البعثة، في تحديث قدمته إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف، إن الانتهاكات الواسعة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وجرائم الحرب التي ترتكبها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والمتحالفون معهما، لا تظهر أي مؤشرات على التوقف، محذرة من أن بعض هذه الأفعال الجسيمة قد تشكل جرائم ضد الإنسانية.
وقال رئيس بعثة تقصي الحقائق، محمد شاندي عثمان، إن المدنيين لا يزالون يتحملون العبء الأكبر للنزاع، مضيفاً أنهم لا يتعرضون للهجمات والعنف المباشر فقط، بل يواجهون أيضاً نظاماً متزايداً من الاحتجاز التعسفي والرعب الذي يسيطر على أوجه الحياة، محذراً من أن استمرار هذه الأنماط سيؤدي إلى مزيد من تقويض الحماية وتعميق الكارثة الإنسانية والحقوقية في السودان.
ويأتي التقرير في وقت دخلت فيه الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الرابع، وسط أزمة إنسانية واسعة النطاق أدت إلى نزوح ولجوء ملايين المدنيين وتدهور الخدمات الأساسية في عدد من الولايات.
ووثقت البعثة، وفقاً للتحديث، نمطاً ممنهجاً من الاحتجازات الجماعية والتعسفية تنفذه القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ضد أشخاص يُشتبه في ارتباطهم أو تعاطفهم مع الطرف الآخر، مشيرة إلى أن المحتجزين غالباً ما يُحتجزون في ظروف قاسية، ومن دون أساس قانوني أو ضمانات محاكمة عادلة أو رقابة قضائية.
وقالت البعثة إن المدنيين الذين يحاولون التنقل بين مناطق سيطرة أطراف النزاع يتعرضون لمخاطر متزايدة، إذ يُحتجز كثيرون عند نقاط التفتيش أو يتعرضون لسوء المعاملة أو يُتهمون بدعم الطرف المعادي، وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى الاحتجاز المطول أو التعذيب أو الاختفاء القسري أو الموت.
وبحسب البعثة، تشمل الفئات المستهدفة صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في المجال الإنساني ونشطاء سياسيين وقيادات دينية ومجتمعية وجهات فاعلة في المجتمع المدني وتجاراً ومدنيين عاديين وأفراد عائلات المقاتلين.
وقالت الخبيرة عضوة البعثة جوي نجوزي إيزيلو إن التنقل في حد ذاته أصبح فعلاً مجرماً، موضحة أن المدنيين يتعرضون بصورة متزايدة لضغوط لإظهار الولاء، وفي بعض الحالات الانحياز الفعلي إلى أحد الأطراف المتحاربة، كشرط لضمان سلامتهم وحريتهم وبقائهم الاقتصادي.
كما وثقت البعثة نمطاً من الاحتجاز يعقبه الإكراه والابتزاز من قبل قوات الدعم السريع، حيث تُجبر عائلات على دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل الإفراج عن أقارب محتجزين، وصلت في بعض الحالات إلى 25 مليون جنيه سوداني، أو ما يقارب 40 ألف دولار أمريكي.
وقالت البعثة إن هذه الممارسات فرضت أعباء اقتصادية ونفسية مدمرة على الأسر التي تعاني أصلاً من آثار النزاع والنزوح، معتبرة أنها تغذي اقتصاد الحرب وترقى إلى مستوى جريمة أخذ الرهائن.
وأشارت إلى أن التجار الذين تعتمد سبل عيشهم على عبور خطوط المواجهة يتعرضون لمخاطر الاختطاف والاحتجاز، ما يقوض الاقتصادات المحلية الهشة ويفاقم انعدام الأمن الغذائي في مناطق مثل الفاشر والأبيض والدلنج وكادوقلي.
وكان مجلس حقوق الإنسان قد أنشأ بعثة تقصي الحقائق بشأن السودان في أكتوبر 2023 للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي المرتبطة بالنزاع الذي اندلع في أبريل من العام نفسه، وجدد ولايتها لاحقاً لمواصلة جمع الأدلة وتحديد المسؤوليات.
وأعربت البعثة عن قلق بالغ إزاء اعتقال ما لا يقل عن 70 شخصاً في الجنينة خلال مايو 2026 من قبل الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات الدعم السريع، مشيرة إلى أن من بين المحتجزين عاملين في المجال الإنساني، وأنه لم ترد أي معلومات عنهم منذ ذلك الحين.
وقالت البعثة إن قوات الدعم السريع لم تكشف عن أماكن وجود هؤلاء المحتجزين أو وضعهم القانوني، ولم تسمح لأسرهم أو محاميهم بزيارتهم، مضيفة أن موجة الاعتقالات جاءت ضمن نمط من حملات مشابهة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث يُتهم المحتجزون غالباً بالتعاون أو تقديم معلومات استخباراتية للقوات المسلحة وحلفائها.
وأوضحت البعثة أن كثيراً من المعتقلين يُنقلون لاحقاً إلى مرافق احتجاز في نيالا لمزيد من التحقيق، حيث يُحتجزون في ظروف قاسية ويتعرضون للتعذيب.
وقالت الخبيرة عضوة البعثة منى رشماوي إن الاختفاء القسري للعاملين في المجال الإنساني جريمة تثير مخاوف خطيرة، مضيفة أن هذه الأفعال تقوض العمليات الإنسانية وتزيد من تعريض المدنيين المعتمدين على المساعدات المنقذة للحياة للخطر.
وفي المقابل، قالت البعثة إنها وثقت استمرار القوات المسلحة السودانية في مضايقة واعتقال واحتجاز قادة مدنيين ومعارضين سياسيين ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في المجال الإنساني وصحفيين يُشتبه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع.
وأفادت البعثة بأن عدداً من المحتجزين لدى القوات المسلحة يُحتجزون بسبب أدوارهم القيادية السابقة في الحركات الشعبية، أو انتماءاتهم القبلية، أو روابطهم العائلية، أو آرائهم السياسية.
كما أشارت إلى أن صحفيين ومقدمي معلومات مستقلين تعرضوا لمضايقات واحتجازات وقيود على الوصول إلى الإنترنت، ما يحد من تدفق المعلومات المستقلة خلال الأزمة.
وتلقت البعثة، بحسب بيانها، تقارير موثوقة عن انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، شملت تأخير الوصول إلى المحاكم، وتقييد الاتصال بالمستشارين القانونيين، والإكراه على الاعتراف، وحالات أُعيدت فيها مقاضاة أفراد عن أفعال سبق أن تمت تبرئتهم منها.
وأوردت البعثة حالة محام من سنجة معروف بدفاعه عن السجناء السياسيين وضحايا القمع، قالت إنه أنشأ وحدة طبية مجانية عقب سيطرة قوات الدعم السريع على سنجة، ثم اعتُقل بعد استعادة القوات المسلحة السيطرة على المدينة، وتعرض للتعذيب على يد عناصر من لواء البراء بن مالك المتحالف مع الجيش، قبل أن تصدر المحكمة الجنائية في سنار حكماً بالإعدام بحقه في أكتوبر 2025، وفقاً لما وثقته البعثة.
وتأتي هذه الاتهامات وسط تصاعد المخاوف من تدهور أوضاع المحتجزين في مناطق سيطرة الطرفين، في ظل ضعف الرقابة المستقلة وغياب الوصول المنتظم للمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى مرافق الاحتجاز.
وقالت البعثة إن ظروف الاحتجاز لدى كلا الطرفين غالباً ما تكون قاسية وغير إنسانية وتشكل تهديداً مباشراً لحياة المحتجزين وسلامتهم الجسدية، حيث يُحتجز المعتقلون في مرافق مكتظة تفتقر إلى الغذاء الكافي والمياه النظيفة والرعاية الطبية وخدمات الصرف الصحي، ما يعرضهم لأمراض مثل الكوليرا.
وأفاد محتجزون لدى القوات المسلحة السودانية بتعرضهم للصعق الكهربائي والضرب المبرح والتجريد من الملابس أثناء الاستجواب والحرمان من العلاج الطبي، في مرافق استخبارات عسكرية ومواقع احتجاز غير معلنة وسجون رسمية، بينها سجن بورتسودان المركزي.
كما وصفت إفادات تلقتها البعثة ظروفاً قاسية في سجن سوبا بالخرطوم عندما كان تحت سيطرة قوات الدعم السريع، فيما قالت إن سجن نيالا في جنوب دارفور، الخاضع حالياً لسيطرة قوات الدعم السريع، يكتسب سمعة سيئة على نحو خاص بسبب احتجاز آلاف المعتقلين فيه، بينهم أشخاص نُقلوا من الفاشر ومناطق أخرى.
وأفادت البعثة بأن سجن نيالا يشهد اكتظاظاً شديداً ونقصاً في الرعاية الطبية وانتشاراً للعنف الجسدي، إضافة إلى ظروف احتجاز لا تتوافق مع الكرامة الإنسانية، مع خطر كبير لحدوث اختفاء قسري في ظل غياب الإجراءات القانونية وحرمان الأسر والمحامين من الزيارة.
وقالت البعثة إنها تلقت تقارير موثوقة تفيد بأن محتجزين لدى الطرفين تعرضوا لاستجوابات قسرية ومعاملة قاسية شملت الضرب والعنف الجنسي وغيره من أشكال العنف البدني والنفسي، أدت في حالات عديدة إلى الوفاة.
وأعربت البعثة عن قلق بالغ إزاء انتشار العنف الجنسي على نطاق واسع ومنهجي، قالت إن قوات الدعم السريع ترتكبه ضد نساء وفتيات، إضافة إلى تقارير عن ممارسة التعذيب ذي الطابع الجنسي ضد رجال محتجزين لدى القوات المسلحة السودانية.
وأكدت البعثة أن طرفي النزاع حرما، بشكل ممنهج، العاملين في المجال الإنساني ومجموعات حقوق الإنسان من الوصول إلى مرافق الاحتجاز، معتبرة أن غياب التحقق المستقل يسهل وقوع الانتهاكات ويزيد معاناة العائلات الباحثة عن معلومات بشأن أحبائها.
ودعت البعثة جميع الأطراف إلى الوقف الفوري لممارسات الاعتقال والاحتجاز التعسفي، والإفراج عن جميع المحتجزين لأسباب سياسية أو دون أساس قانوني، وضمان المعاملة الإنسانية وضمانات المحاكمة العادلة لجميع المحتجزين.
كما طالبت بمنح الهيئات المستقلة وصولاً كاملاً ودون عوائق إلى مرافق الاحتجاز، والكشف عن مصير جميع المحتجزين ومكان وجودهم ووضعهم القانوني، والاعتراف رسمياً بجميع حالات الاحتجاز وتوثيقها، وضمان التواصل المنتظم بين المحتجزين وأسرهم وممثليهم القانونيين.
وشددت البعثة على أن التصدي للإفلات من العقاب في حالات الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري يمثل خطوة أساسية لمنع مزيد من الانتهاكات وتعزيز فرص الوصول إلى حل سلمي للنزاع.
وجددت دعوتها إلى دعم الضحايا، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع ولايتها القضائية لتشمل ما يتجاوز دارفور، وإنشاء آلية قضائية دولية مستقلة تعمل بالتعاون الوثيق مع المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب جمع الأدلة وحفظها بشكل منهجي تمهيداً لإجراءات جنائية مستقبلية وفرض عقوبات محددة.
وقال محمد شاندي عثمان إن حجم الانتهاكات وخطورتها يؤكدان أنها ليست حوادث معزولة، بل جزء من نمط أوسع من الانتهاكات، مشدداً على الحاجة الملحة إلى المساءلة واتخاذ إجراءات دولية منسقة لمنع ارتكاب مزيد من الفظائع.