( ليس من حق أي أحد ان يتحدث بالنيابة عن الفلسطينيين أو السود في العالم، لأن لا أحد غيرهم يعلم أو يشعر بما مروا به.) إدوارد سعيد

ان المبالغة في التعريب جعل البعض يشعر بالضيق من كل مايمت بصله لأي شيء عربي. حيث انه تحت شعار التعريب والعروبة، ارتكبت أخطاء فادحة في هذا الوطن ضد مجموعات واسعة من شعبه. في كتابه حول تجارب التطهير الاثني في العالم يقول عالم الاجتماع الأمريكي مايكل مان، أن الحرب الأهلية في جنوب السودان كانت من الحروب النادرة التي ارتكب فيها تطهير أثنى وكان إحدى أهم أسباب الصراع هو فرض اللغة بالقوة وهي اللغة العربية في هذه الحالة. على مستوى آخر فإن التعريب على المستوى الثقافي حتى بالنسبة للمجموعات التي تتبني العروبة في السودان توجد أمامها العديد من علامات الاستفهام. حيث أن العرب أنفسهم كما يعلم الجميع يعاملون السودانيين المستعربين بنظرة دونية.
لكن في يخص قضية فلسطين بالتحديد فإن محاولات (المتاوقة) من شباك الوطن وجدانيا الي وطن اخر هناك ومحاولة الارتباط به كجزء من الانتماء العربي أو الإسلامي فإنما هو خيار، كما للاخرين خياراتهم ومشاعرهم أيضا التي قد لا تستوجب هذه المحاولة للتواصل مع ذلك الاخر البعيد عنهم جغرافيا ووجدانيا. فليس من الصعب على الإطلاق إيجاد منطلقات إنسانية للتعاطف مع الفلسطينيين أو قضيتهم، لكن من الصعب استيعاب أن لا تتوفر شروط نفس هذه المنطلقات للتعاطف مع شركاء الوطن الواحد القريبين جغرافيا لكن يبدو أنهم بعيدين جدا وجدانيا.

من المقبول التعاطف في القضية الفلسطينية فقط المغالاة وتجاهل ذات الجانب الإنساني فيما يخص الآخرين في الوطن الذين يعانون ذات معاناة الفلسطينين أو أسوأ منها، هو ما يستوجب التوقف عنده. حيث أن ردة الفعل الصادقة مع القضية الخاصة بالقدس أكثر شهادة علي انعدام الوجدان المشترك في هذا الوطن( الأزمة) . مما يثبت أن هذا الوطن لم يصبح أرضا لأمة بعد، أمة ذات شعور جمعي مشترك بالانتماء إلى أرض واحدة تجمعهم. ويبدو أن هذا الشعور بالامة الواحدة لدى البعض يرتبط بقوة بالإنتماء (للأمة العربية والإسلامية) قبل الانتماء لما كان يفترض بها أن تكون الأمة السودانية. ولم يشغل الكثيرين من مناصري القدس التفكير في بقية السودانيين الذين تسلب منهم الحياة والكرامة كل يوم كما يشغلهم حال أهل غزة ورام الله، بينما يقتل بنو وطنهم بين ظهرانيهم كل يوم وهم صامتون.

إعلان

ان هذا التشظي في الوجدان السوداني يحتاج إلى وقفة حقيقة لاستيعاب منطلقات أزمة السودان السياسية والثقافية والاجتماعية. حيث يغيب الإنتماء للشراكة في أرض الوطن في حين يتم استحضار كامل للشراكة المفترضة مع شركاء الثقافة والدين واللغة، والعرق أيضا كما يعتقد البعض. ومن هنا يجب أعادة النظر في قواعد الانتماء للوطن نفسه هل هي قواعد مبنية على الوجود على أرض مشتركة ام الانتماء إلى ثقافة ولغة وأثنية مشتركة. ومن هذه النقطة يمكن استيعاب مدى عمق أزمة هذا الوطن.

عثمان نواي