لاهاي – السودان الآن

طالب ممثل لجنة التنسيق العامة لمخيمات النازحين في دارفور، المحامي عبد الباسط محمد، المحكمة الجنائية الدولية بإثبات المسؤولية المشتركة عن الجرائم التي أُدين فيها قائد ميليشيا الجنجويد علي عبد الرحمن “علي كوشيب” بما يضمن جبر الأضرار التي لحقت بالضحايا بصورة كاملة.

وقال عبد الباسط، خلال جلسة للمحكمة، إن اللجنة لا تطلب تحميل الدولة السودانية المسؤولية، وإنما تطالب بتحديد مسؤولية الأشخاص الذين شاركوا في ارتكاب الجرائم، مشيراً إلى أن الحكم الابتدائي خلص إلى ارتكاب الجرائم ضمن خطة مشتركة مع آخرين.

إعلان

واستند في ذلك إلى مبدأ المسؤولية المشتركة، مستشهداً بأمر جبر الأضرار الصادر في قضية دومينيك أونغوين، معتبراً أن وجود أشخاص آخرين مسؤولين عن الجريمة لا ينبغي أن يؤدي إلى تقليص حقوق الضحايا في جبر الضرر.

وفي ما يتعلق بالأراضي، قال عبد الباسط إن مناطق وادي صالح، حيث تقع مدينة جارسيلا بوسط دارفور، تعتمد على نظام الحواكير الذي يربط الأسر والمجتمعات بالأرض عبر أجيال، مشيراً إلى أن مقتل عدد من الشيوخ والعُمد أدى إلى فقدان جزء من السجلات والأعراف التي كانت تُستخدم في إثبات ملكية الأراضي وتسوية النزاعات.

وأوضح أن اللجنة لا تطلب من المحكمة إعادة الأسر فعلياً إلى أراضيها أو إصدار أوامر ضد أشخاص غير ممثلين أمامها، وإنما طالبتها بإثبات أن عمليات الاستيلاء على الأراضي التي وقعت في سياق الجرائم كانت غير مشروعة، بما يحفظ حق المجتمعات المتضررة في المطالبة بأراضيها مستقبلاً.

كما دعا المحكمة إلى دعم توثيق القرى والحواكير وإعادة بناء سجلات ملكية الأراضي التي دُمرت خلال الحرب، إلى جانب حفظ حقوق الضحايا أمام آليات مستقبلية أو قائمة، من بينها آليات الأراضي والتعويض المنصوص عليها في اتفاقي جوبا والدوحة.

وبشأن النساء والفتيات، قال ممثل اللجنة إن الناجيات طالبن بإنشاء مراكز للنساء، وتوفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل لضحايا العنف الجنسي، فضلاً عن دعم البنية التحتية المجتمعية.

وأضاف أن ممثلات النساء اقترحن تأجيل التعويضات الفردية إلى حين انتهاء الحرب واستقرار الأوضاع، باعتبار أن الظروف الحالية لا توفر بيئة مناسبة لتنفيذ تلك التعويضات.

وشدد عبد الباسط على أن سكان مخيمات النازحين تلقوا وعوداً كثيرة خلال السنوات الماضية، معتبراً أن عدم توفر الأموال يمكن تحمله، لكن ضياع الوعود المتعلقة بحقوقهم في العودة وجبر الضرر سيكون أكثر صعوبة.

وأكد أن ما ستخلص إليه المحكمة بشأن حقوق المجتمعات المتضررة في الأراضي وجبر الأضرار ستكون له آثار تتجاوز قاعة المحكمة، ويمكن أن يشكل أساساً قانونياً لمطالبات مستقبلية لسكان دارفور المتضررين من الحرب.

أحالت المحكمة الجنائية الدولية ملف دارفور إلى مسار التحقيق القضائي بعد إحالة مجلس الأمن الدولي الوضع في الإقليم إلى المحكمة بموجب القرار 1593 لعام 2005، على خلفية جرائم ارتُكبت منذ عام 2003. وشملت التحقيقات اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

ويُعد علي محمد علي عبد الرحمن، المعروف باسم علي كوشيب، أول متهم في ملف دارفور يمثل أمام المحكمة ويخضع للمحاكمة. أصدرت المحكمة بحقه مذكرة توقيف في أبريل 2007، واتهمته بارتكاب عشرات الجرائم، بينها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خلال هجمات على مدنيين في مناطق كُدوم، بندسي، مكجر ودليج وغيرها من مناطق دارفور بين عامي 2003 و2004. وانفصلت قضيته عن قضية أحمد هارون في يونيو 2020.

وفي يونيو 2020، وصل كوشيب إلى مقر المحكمة في لاهاي بعد تسليم نفسه للسلطات في جمهورية أفريقيا الوسطى، منهياً سنوات من بقائه خارج قبضة المحكمة. وبدأت محاكمته أمام الدائرة الابتدائية للمحكمة في 2021، لتصبح قضيته أول محاكمة فعلية لشخص متهم بجرائم مرتبطة بملف دارفور.

وتأتي هذه المرافعات في إطار إجراءات جبر أضرار ضحايا قضية علي كوشيب، الذي أدانته المحكمة الجنائية الدولية في أكتوبر 2025 بارتكاب 27 تهمة من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، قبل أن تحكم عليه في ديسمبر من العام نفسه بالسجن 20 عاماً. وتتناول القضية جرائم ارتُكبت في مناطق كدوم وبنديسي ومكجر ودليج وغيرها خلال الفترة بين 2003 و2004.

أما أحمد محمد هارون، وزير الدولة السابق بوزارة الداخلية والمسؤول عن ملف دارفور آنذاك، فقد أصدرت المحكمة بحقه مذكرة توقيف في 27 أبريل 2007، إلى جانب كوشيب. ويواجه هارون 20 تهمة بجرائم ضد الإنسانية و22 تهمة بجرائم حرب، وفق ملف المحكمة.

وأصدرت المحكمة كذلك مذكرة توقيف بحق عبد الرحيم محمد حسين، وزير الدفاع والداخلية السابق، في مارس 2012، على خلفية 7 تهم بجرائم ضد الإنسانية و6 تهم بجرائم حرب مرتبطة بدارفور.

أما الرئيس السوداني السابق عمر حسن أحمد البشير، فأصدرت المحكمة بحقه مذكرة توقيف أولى في 4 مارس 2009، ثم مذكرة ثانية في 12 يوليو 2010. وتشمل الاتهامات الموجهة إليه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، إضافة إلى ثلاث تهم بالإبادة الجماعية بحق مجموعات الفور والمساليت والزغاوة، بحسب قرارات المحكمة.

ولا تزال مذكرات التوقيف بحق البشير وهارون وعبد الرحيم حسين قائمة، فيما لم يمثل هؤلاء الثلاثة أمام المحكمة حتى الآن. وتؤكد المحكمة أن قضية البشير تظل في المرحلة التمهيدية إلى حين توقيفه ونقله إلى لاهاي.

ويمثل ملف كوشيب أهمية خاصة في قضية دارفور، باعتبار أن محاكمته نقلت الملف من مرحلة مذكرات التوقيف والاتهامات إلى مرحلة المحاكمة الفعلية وسماع الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة ضد المدنيين، بينما ما تزال قضايا عدد من كبار المسؤولين والمتهمين الآخرين معلقة بسبب عدم مثولهم أمام المحكمة.