الخرطوم – السودان الآن | 13 يناير 2026
في الوقت الذي تشتد فيه وتيرة الحروب الحديثة التي تعتمد ”الضربات القاضية“ عبر المُسيّرات الانتحارية والهجومية، أثار الظهور الإعلامي الأخير لرئيس الوزراء في مكتبه تساؤلات حادة حول الوعي الأمني داخل أروقة المؤسسات السيادية.
فبينما تحتفي الحكومة بالعودة إلى الخرطوم، انتشرت صور رسمية وُصفت بأنها ”عفوية بصورة مُميتة“، حيث أظهرت رئيس الوزراء بخلفية نافذة كاشفة لمشهد خارجي يسهل تحديده بدقة متناهية عبر أنظمة الملاحة والخرائط الرقمية.
إن تحديد الأهداف في العصر الحالي يمر بمراحل تبدأ بالتعرف البصري عبر الصور والفيديوهات، ثم التثبت عبر معلومات استخباراتية، وصولاً إلى المراقبة وتحديد ساعة الصفر. ومع انتشار “الخلايا النائمة” والمتعاونين حتى داخل دواوين الدولة، يصبح نشر مثل هذه التفاصيل البصرية بمثابة تقديم القيادة العليا على طبق من ذهب لمليشيا تمتلك مسيرات استراتيجية وخبراء أجانب وقدرات تقنية متطورة.
وفي هذا السياق، حذر المهتم بالشؤون العسكرية محمد عادل من خطورة هذا ”الانكشاف الإحداثي“، مؤكداً أن ما حدث في مدينة سنجة ليس بعيداً عن الأذهان. وأوضح عادل أن تحديد المواقع بات يتم عبر ”الاستخبارات مفتوحة المصدر“ بربط تفاصيل الإضاءة واتجاه النوافذ بصور الأقمار الصناعية، مشدداً على أن الأمر يتطلب فقط ”عنصراً بشرياً“ على الأرض لتأكيد التوقيتات الزمانية للتحركات.
وعزا محمد عادل هذا الخلل إلى إدارة المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء التي وصف أداءها بـ ”الغباء الذي يتجاوز حدود التقديرات الأمنية“، معتبراً أن إسناد الأمر لغير أهله والاعتماد على المحسوبية ”زولي وزولك“ أدى إلى غياب الكفاءة والخبرة.
وأشار إلى أن أولى القواعد الأمنية هي ”ضرب ستار من الغموض“ على مواقع الشخصيات الهامة، وهو ما تم انتهاكه بشكل صارخ في التغطية الأخيرة.
وختم عادل حديثه بالتشديد على ضرورة مراجعة التعيينات داخل المؤسسات الحساسة وتطهيرها من ”الخونة“ الذين قد يستغلون هذه الثغرات الإعلامية لتنفيذ مخططاتهم، مؤكداً أن الحرب الحالية تُكسب أو تُخسر بتفاصيل صغيرة قد تبدو للبعض مجرد ”صورة“ ولكنها للعدو ”بنك أهداف“.
يرى محررو صحيفة (السودان الآن) أن تفادي ما يُعرف بـ ”الاستنتاج الجغرافي“ بات ضرورة ملحّة في ظل تعقيدات المشهد الأمني وتطور أدوات الرصد والاستهداف، مؤكدين أن تأمين الظهور الإعلامي للمسؤولين يجب أن يُدار وفق بروتوكولات صارمة، استكمالاً للتحليل الذي قدّمه الكاتب محمد عادل بشأن أهمية اعتماد ما يُسمى بـ ”تجهيل الصور“ لحماية المواقع السيادية ومنع تحويل المواد الإعلامية إلى أدوات تتبع واستهداف.
ويستعرض المحررون جملة من القواعد التقنية والإجرائية التي ينبغي على الإعلام الرسمي الالتزام بها قبل الضغط على زر ”نشر“، لضمان عدم تسريب معلومات حساسة دون قصد، في مقدمتها ”إزالة البيانات الوصفية“، إذ تحمل الصور الملتقطة بالكاميرات الحديثة بصمة رقمية دقيقة تشمل ”إحداثيات الموقع الجغرافي“، ونوع الكاميرا، وتوقيت الالتقاط، ما يستوجب مسحها بالكامل عبر برامج متخصصة قبل النشر.
كما يشدد المحررون على أهمية استخدام ”العزل البصري“، عبر تعتيم الخلفيات، لا سيما النوافذ والمعالم المعمارية، سواء باستخدام عدسات ذات فتحة واسعة تعزل الهدف عن محيطه، أو من خلال معالجة رقمية تجعل الخلفية غير قابلة للمطابقة مع صور الأقمار الصناعية.
ومن بين الإجراءات الحيوية أيضاً تجنّب زوايا الاستنتاج، وذلك بالتصوير أمام حوائط داخلية صمّاء لا تُظهر اتجاه الشمس أو انعكاسات الإضاءة الخارجية، إذ يمكن عبر تحليل الظلال تحديد الطابق والجهة الجغرافية للموقع بدقة عالية.
ويضيف المحررون أن التشفير الزماني للنشر يمثل عاملاً حاسماً، عبر الامتناع عن البث المباشر أو النشر الفوري للقاءات والاجتماعات المهمة، وتأخير نشر الصور لساعات أو أيام، لخلق فجوة زمنية تُفشل أي خطط استهداف تعتمد على الوجود اللحظي للمسؤولين.
كما نبهوا إلى ضرورة فحص الانعكاسات، حيث تمكن خبراء استخبارات ”المصادر المفتوحة“ في حالات عديدة من تحديد مواقع حساسة عبر انعكاسات المشهد الخارجي على نظارات المسؤولين، أو شاشات التلفاز، أو حتى الأسطح المصقولة.
ويخلص محررو السودان الآن إلى أن أمن المسؤول يبدأ من وعي المصوّر قبل أي إجراء آخر، محذرين من أن الكاميرا التي لا تلتزم ببروتوكولات الحماية في حروب الجيل الخامس قد تتحول، دون قصد، إلى مجرد ”جهاز تأشير“ لصواريخ المتربصين.
