يواجه الأطفال فاقدو الرعاية الوالدية والأمهات في السودان ظروفاً أكثر صعوبة منذ اندلاع الحرب، مع تضرر الخدمات الاجتماعية والصحية واتساع نطاق النزوح وتشتت الأسر، ما زاد الحاجة إلى برامج الحماية والدعم النفسي والاجتماعي وإعادة دمج الأطفال داخل أسرهم ومجتمعاتهم.
ومن بين العاملين في هذا المجال نور حسين السيوطي، المعروفة باسم «ماما نور»، التي بدأت قصتها من دار المايقوما في الخرطوم، حيث نشأت بعد فقدان والديها في سن مبكرة، قبل أن تحول تجربتها الشخصية إلى مشروع لمساعدة أطفال ونساء عاشوا ظروفاً مشابهة.
وتوجد ماما نور حالياً في نيويورك ضمن مجموعة من العاملين في المجال الإنساني قدموا من مناطق مختلفة، بدعوة من توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، للمشاركة في عدد من الاجتماعات خلال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتقول نور إن فكرة تأسيس منظمة «شمعة» بدأت منذ طفولتها، عندما كانت تقارن بين حياتها داخل المؤسسة وحياة أقرانها الذين يعيشون مع أسرهم.
وتتذكر تلك المرحلة قائلة: «عندما كنا نرى أقراننا في الرياض والمدارس، ونجد أنهم يعيشون مع أسرهم، كنا نتساءل: أين أسرنا وأهلنا؟».
وفي عام 2007، وبعد إكمال دراستها الجامعية وتكوين أسرتها، أسست منظمة «شمعة»، التي ركزت على تقديم خدمات قانونية واجتماعية وتعليمية للأطفال والشباب فاقدي الرعاية الوالدية.
وتشمل خدمات المنظمة، بحسب نور، المساعدة في استخراج الأوراق الثبوتية، والدعم الاجتماعي، ومساندة الأطفال والشباب في التعليم والعمل، إلى جانب منح تعليمية تمتد من مرحلة رياض الأطفال حتى التعليم الجامعي.
كما تعمل «شمعة» على قضايا مرتبطة بهوية الطفل وحقه في معرفة الحقيقة، وتسعى إلى الحد من انفصال الأطفال عن أمهاتهم من خلال تقديم الدعم للأمهات وأسرهن، بهدف الحفاظ على الطفل داخل أسرته الطبيعية، مع التعامل مع الحالات بسرية.
وتقول نور إن تجربة فقدان الأسرة لا تنتهي بمجرد مغادرة الطفل المؤسسة، وإن آثارها يمكن أن تمتد إلى مراحل لاحقة من حياته وحتى إلى الأجيال التالية.
قبل اندلاع الحرب في السودان عام 2023، تقول ماما نور إن منظمة «شمعة» تعاملت مع مشكلات نحو خمسة آلاف أسرة، بينما تعاملت بعد اندلاع الحرب مع أكثر من ألفي طفل، لتصل الحالات التي تشير إليها إلى نحو سبعة أو ثمانية آلاف حالة.
وأجبرت الحرب المنظمة على تغيير أماكن عملها وإجلاء مجموعات من الأطفال والأمهات. وتقول نور إن أكثر من 30 طفلاً ونحو 45 أماً جرى إجلاؤهم من الخرطوم إلى مدني بمساعدة منظمة «صيحة»، قبل أن تنقلهم المنظمة مرة أخرى إلى بورتسودان بعد وصول القتال إلى مدني.
وتصف نور رحلة النزوح بأنها كانت محفوفة بالخوف والجوع والهلع والضغوط النفسية، مشيرة إلى أن المجموعة واجهت مواقف قالت إن خطر الموت كان فيها قريباً منها.
وفي بورتسودان، ساعدت المنظمة الدولية للهجرة وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية «موئل الأمم المتحدة» في تأهيل مبنى متضرر منحته الحكومة للمنظمة بصورة مؤقتة، ليكون مأوى للأطفال والأمهات إلى حين تحسن الأوضاع في الخرطوم.
ورغم فقدان ممتلكات المنظمة وتدمير خدماتها الأولى، تقول ماما نور إن «شمعة» واصلت العمل خلال الحرب، ووصلت إلى أكثر من 600 حالة من الأمهات والأطفال، من خلال الدعم وإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والصحي، وإعادة دمج بعض الحالات في أسرها ومجتمعاتها.
وتقول نور لموقع الأمم المتحدة، إن الحرب خلقت فجوات كبيرة في الخدمات الاجتماعية، وإن معالجة آثارها تتطلب إعادة بناء الخدمات الأساسية ودعم الفئات التي تعرضت لأكبر قدر من الضرر.
ووجهت ماما نور رسالة إلى المانحين وأهل الخير قائلة: «نحن بحاجة إلى أن يقف الجميع معنا من أجل السودان»، مؤكدة أن المنظمة بحاجة إلى دعم لمواصلة عملها.
وبين الخرطوم التي بدأت فيها قصتها وبورتسودان التي تواصل منها عملها خلال الحرب، تستمر ماما نور في مساندة الأطفال والأمهات، مستندة إلى تجربة شخصية بدأت داخل دار المايقوما وتحولت إلى مسار طويل في العمل الاجتماعي والإنساني.