كتب / محمد عثمان جبريل
منذ اندلاع الحرب في السودان شهدت البلاد موجات نزوح وهجرة واسعة، حيث اضطر ملايين السودانيين إلى مغادرة مناطق الأحداث والمعارك متجهين نحو المناطق الآمنة، سواء داخل السودان أو إلى دول الجوار، هربًا من ويلات الحرب، أو بحثًا عن فرص للعيش بعد أن فقدوا ممتلكاتهم ومصادر دخلهم الأساسية. لم تكن هذه الهجرة خيارًا طوعيًا، بل نتيجة مباشرة لانهيار الأمن وتدهور الأوضاع المعيشية، وضياع أبسط مقومات الاستقرار.
ومن بين الدول التي لجأ إليها السودانيون كانت دولة جنوب السودان، بحكم الجوار الجغرافي، والتداخل الاجتماعي، والتاريخ المشترك، إضافة إلى ما تم الترويج له من تفهّم لمعاناة النزوح واللجوء، خاصة من شعب عانى هو الآخر لسنوات طويلة من الحروب والنزاعات. غير أن الواقع الذي واجهه كثير من السودانيين على الأرض جاء مخالفًا تمامًا لهذه التوقعات، بل كان صادمًا في كثير من الأحيان.
فبدلًا من استقبال إنساني يراعي ظروف الفارّين من الحرب، واجه السودانيون ممارسات قاسية في المعابر والبوابات الحدودية، حيث تفنّن بعض الجنود في فرض رسوم غير قانونية تحت مسميات متعددة، أبرزها رسوم “الفيزا”، وأصبح المرور من بوابة إلى أخرى مرهونًا بالدفع، وكأن المعاناة وحدها لا تكفي. والأسوأ من ذلك أنه في حال اعتراض المواطن السوداني واحتجاجه بالاتفاقيات المبرمة بين حكومتي السودان وجنوب السودان بشأن حرية مرور المواطنين، يكون الرد صريحًا وخاليًا من أي اعتبار إنساني أو قانوني: “هذا بلدنا، وإن لم تدفع فارجع إلى بلدك”.
إن هذه الممارسات لا تعكس فقط غياب الروح الإنسانية، بل تمثل أيضًا تجاهلًا واضحًا للاتفاقيات الثنائية، وللمبادئ التي تحكم التعامل مع اللاجئين والنازحين في أوقات الحروب. وهي ممارسات تضعف الروابط بين الشعوب، وتزرع مشاعر الغبن والمرارة في نفوس من كانوا يأملون في معاملة تليق بإنسانيتهم وجوارهم.
وعمومًا، فإن ما واجهه السودانيون من استغلال وانتهاك في بعض دول الجوار، وعلى رأسها جنوب السودان، كفيل بأن يترك أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي للسودانيين، وأن يعيد تشكيل نظرتهم للعلاقات الإقليمية في المستقبل. كما أنه سيدفع الدولة السودانية، عاجلًا أو آجلًا، إلى إعادة تقييم هذه العلاقات، والسعي لإبرام اتفاقيات واضحة وملزمة تضمن حقوق مواطنيها، وتحميهم من الابتزاز والإهانة، خاصة في أوقات الضعف والنزوح القسري.
فالكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تكون محل مساومة على بوابات الحدود، واحترام الإنسان في محنته ليس تفضلًا، بل واجب أخلاقي وقانوني، ومن يتجاوز هذا الواجب يضع نفسه في موضع مساءلة، إن لم يكن اليوم فغدًا.
