كتب / محمد عثمان جبريل

إن قصف المعدّنين السودانيين بواسطة الطيران المصري ليس حادثاً يمكن دفنه تحت ركام البيانات الرسمية، ولا قضية يمكن تجاوزها بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق ثم انتظار أن ينسى الناس ما حدث. إنها قضية سيادة وكرامة ودماء سودانية، وقضية دولة مطالبة بأن تثبت أنها موجودة لحماية شعبها، لا لحماية مصالح المنتفعين من علاقاتها الخارجية.

أعلنت الحكومة المصرية أن العملية استهدفت التعدين العشوائي. لكن هذا الإعلان لا ينهي القضية، ولا يمنح أحداً حق تجاوز سيادة السودان أو تعريض حياة مواطنيه للخطر. والسؤال الذي يجب أن تجيب عنه الحكومتان بوضوح هو: أين وقع القصف تحديداً؟ ومن استُهدف؟ وعلى أي أساس نُفذت العملية؟ فإذا ثبت أن القصف وقع داخل الأراضي السودانية واستهدف مواطنين سودانيين، فإن الأمر يتجاوز مجرد التصريحات إلى قضية تستوجب موقفاً رسمياً واضحاً ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوز.

أما الحكومة السودانية، فقد أعلنت تشكيل لجنة لتقصي الحقائق. لكن الشعب السوداني لم يعد يثق في البيانات وحدها، ولم يعد يحتمل المزيد من اللجان التي تنتهي مهمتها عند حدود الإعلان عنها. الشعب يريد الحقيقة كاملة، ويريد موقفاً يحفظ كرامته وسيادة أرضه، ويريد أن يعرف ما الذي ستفعله الدولة إذا ثبت الاعتداء على مواطنيها. فاللجان لا تعيد الموتى، والبيانات لا تحمي الأحياء، والصمت لا يصون السيادة.

والأكثر إيلاماً أن الشعب السوداني لم ينسَ، ولن ينسى، إخفاقات مؤسسات الدولة والقيادة العسكرية في حماية المدنيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. لم ينسَ انسحابات الجيش من مدن وولايات ومواقع استراتيجية، وما أعقب بعضها من سقوط مناطق واسعة في يد قوات الدعم السريع، تاركةً المدنيين يواجهون القتل والانتهاكات والتشريد. ولم ينسَ أهل دارفور ما عاشوه من مآسٍ، ولا ما تعرض له المدنيون في أجزاء واسعة من الإقليم ومناطق من كردفان من انتهاكات جسيمة، في ظل انهيار الأمن واتساع رقعة الحرب.

لقد دفع السودانيون أثماناً باهظة، وفقدوا بيوتهم وأمنهم وأحبابهم، وتشتتت أسرهم بين النزوح واللجوء. ولذلك، فإن مطالبة الشعب اليوم بحماية مواطنيه في مواجهة أي اعتداء خارجي ليست منّة من القيادة العسكرية، ولا مطلباً ثانوياً يمكن تأجيله، بل هي الحد الأدنى من واجبات الدولة التي يفترض أنها تحمل السلاح باسم الشعب وتدافع عن أرضه وكرامته.

وإذا كان الشعب قد اضطر إلى تحمّل نتائج إخفاقات الحرب، فليس من المقبول أن يجد نفسه اليوم أمام مخاوف جديدة، بينما تبدو الاستجابة الرسمية دون مستوى خطورة الأحداث. وهنا تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقات مع مصر، وحدود المصالح السياسية والاقتصادية التي تحكمها، وما إذا كانت هناك أطراف مستفيدة من هذه العلاقات تضع حساباتها الخاصة فوق حقوق المواطنين السودانيين.

لا يجوز أن تتحول العلاقات الخارجية إلى حصانة سياسية تمنع مساءلة أي طرف، ولا يجوز أن تصبح المصالح الشخصية أو الاقتصادية لبعض النافذين سبباً في التردد عندما يتعلق الأمر بكرامة المواطن السوداني. وإذا كانت هناك مصالح تجعل المسؤولين يتجنبون اتخاذ موقف واضح، فإن الشعب من حقه أن يعرفها، ومن حقه أن يرفض أن تكون دماؤه ثمناً لأي تفاهمات أو حسابات لا تحمي مصالحه.

إن السيادة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل موقف يُختبر عندما يتعرض المواطن للخطر.

وفي الجانب الآخر، فإن الاعتداء الذي أُعلن عن وقوعه في الخرطوم وأسفر، وفق المعلومات المتداولة، عن مقتل مواطنين مصريين وإصابة آخرين، يمثل تطوراً خطيراً يستوجب التحقيق والمحاسبة. فلا يجوز أن يتحول الغضب من حادث القصف إلى انتقام من مواطنين مصريين لا ذنب لهم فيما حدث، كما لا يجوز أن يُترك السودانيون في مصر يدفعون ثمن التوتر بين البلدين.

لكن التحذير من الانتقام لا يعني مطالبة السودانيين بالصمت، ولا يعني مساواة المطالبة بالحقوق بالاعتداء على الأبرياء. فمن حق الشعب أن يغضب، ومن حقه أن يحتج، ومن حقه أن يطالب بمحاسبة المسؤولين. أما تحويل هذا الغضب إلى اعتداءات عشوائية، فلن يحقق العدالة، بل سيخلق ضحايا جدداً ويمنح المسؤولين عن الأزمة فرصة للهروب من مسؤولياتهم.

ولعل ما حدث في جنوب السودان في بداية عام 2025، من اعتداءات استهدفت سودانيين في سياق تصاعد التوتر، يذكّرنا بما يمكن أن يحدث عندما تنفلت مشاعر الغضب ويتحول الأفراد إلى أهداف بسبب هويتهم الوطنية. لقد كان السودانيون الذين تعرضوا لتلك الاعتداءات بشراً لهم أسر وأحلام وحقوق، ولم يكن من العدل أن يتحملوا مسؤولية أفعال لم يرتكبوها. ولا نريد أن تتكرر هذه المأساة في مصر، حيث يعيش أكثر من مليوني لاجئ ومقيم سوداني، قد يجدون أنفسهم في مواجهة مخاطر لا علاقة لهم بصناعتها.

إن مسؤولية حماية هؤلاء السودانيين تقع على عاتق الحكومة السودانية، كما تقع على السلطات المصرية مسؤولية حماية المقيمين على أراضيها والتحقيق في أي اعتداءات تستهدفهم. ولا يمكن للحكومتين أن تتعاملا مع سلامة المدنيين باعتبارها مسألة ثانوية، لأن أي تصعيد غير محسوب قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الخوف والعنف والانتقام.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين الدولة السودانية من كل هذا؟

أين الموقف الذي يطمئن المواطنين إلى أن دماءهم ليست رخيصة؟ وأين التحرك الذي يثبت أن الحكومة لن تتعامل مع حقوق السودانيين باعتبارها تفصيلاً يمكن التضحية به حفاظاً على علاقات سياسية؟ وأين نتائج التحقيقات التي ينتظرها الناس حتى لا تتحول لجنة تقصي الحقائق إلى مجرد عنوان جديد في سجل طويل من الوعود؟

لقد سئم الشعب السوداني أن يُطلب منه الصبر كلما وقعت كارثة، وأن يُطلب منه الصمت كلما تعلق الأمر بعلاقات خارجية، وأن يتحمل وحده نتائج القرارات والإخفاقات التي لم يكن طرفاً فيها. لا يمكن مطالبة شعب خسر الأمن والاستقرار والمنازل والأرواح بأن يقبل أيضاً بأن تصبح كرامته موضع مجاملة سياسية.

على مجلس السيادة والحكومة أن يدركا أن واجبهما الأول هو حماية الشعب السوداني والدفاع عن مصالحه، وأن أي علاقة خارجية يجب أن تُقاس بقدرتها على احترام سيادة البلاد وصيانة حقوق مواطنيها، لا بحجم المنافع التي تحققها لأصحاب النفوذ. والمطلوب اليوم موقف واضح، وتحقيق شفاف، ومحاسبة عند ثبوت المسؤولية، وتحرك دبلوماسي جاد يضمن عدم تكرار ما حدث.

أما الشعب السوداني، الذي لم ينسَ ما جرى منذ أبريل 2023، فلن يكون من السهل إقناعه بأن حقوقه محفوظة بمجرد صدور بيان أو إعلان تشكيل لجنة. لقد تعلم السودانيون، من قسوة الحرب، أن غياب المحاسبة يفتح الباب أمام تكرار المآسي، وأن الصمت الرسمي قد يترك المواطنين وحدهم في مواجهة الأخطار.

دماء السودانيين ليست رخيصة، وكرامتهم ليست ورقة للمساومة، وسيادة بلادهم ليست امتيازاً تمنحه الدول لبعضها بعضاً.

إننا نطالب الحكومة السودانية بأن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأن تضع حماية المواطنين فوق حسابات المصالح والعلاقات، وأن تكشف نتائج التحقيق للرأي العام، وألا تسمح لأي جهة بأن تستغل علاقاتها الخارجية للإفلات من المساءلة.

ونطالب السلطات المصرية بتوضيح ملابسات القصف والتعاون في كشف الحقيقة، وضمان عدم استهداف المدنيين أو انتهاك السيادة السودانية، كما نطالب بحماية السودانيين المقيمين في مصر من أي اعتداء أو تحريض.

فالغضب حق، والمحاسبة ضرورة، والكرامة الوطنية خط أحمر. لكننا لا نريد لهذا الغضب أن يتحول إلى كارثة جديدة تطال الأبرياء، كما حدث للسودانيين في جنوب السودان في بداية عام 2025. نريد موقفاً يحفظ الحقوق، لا انتقاماً يصنع ضحايا جدد؛ ونريد دولة تدافع عن شعبها، لا دولة تتركه وحيداً ثم تطالبه بالصمت.