كتبت / أميرة أحمد عمر

هناك موت لا يُدفن فيه أحد، وفقدٌ لا ينتهي بخبر، وانتظارٌ لا تمنحه القوانين دائماً نهاية واضحة. منذ اندلاع الحرب في السودان، وجدت نساء أنفسهن في مساحة غامضة بين الحياة والموت، لا يعرفن مصير أزواجهن، ولا يستطعن التعامل مع غيابهم كما لو أنه وفاة مؤكدة أو انفصال محسوم.

لسن أرامل بالمعنى القانوني ما لم تثبت وفاة أزواجهن، ولسن مطلقات لأن العلاقة الزوجية لم تنتهِ بحكم أو طلاق، ولسن زوجات يعشن حياة أسرية مستقرة، لأن من كان يفترض أن يشاركهن تفاصيل الحياة اختفى ولم يعد.

إنهن النساء المعلقات بين زوج مفقود وحياة متوقفة، ينتظرن خبراً قد يأتي، بينما تتراكم عليهن أعباء المعيشة وتربية الأطفال ومواجهة مجتمع لا يمنحهن دائماً مساحة كافية للحزن أو اتخاذ قرارات جديدة.

خرج الزوج ولم يعد. لم يصل جثمان، ولم تصدر شهادة وفاة، ولم يظهر دليل حاسم على وجوده في الاعتقال أو الاحتجاز. بقي الصمت، وبقيت الأسرة معلقة بين احتمال العودة وخشية الموت.

وفي ظل اتساع نطاق الحرب والنزوح، تحتاج هذه القضية إلى توثيق جاد يحدد حجمها وآثارها، خصوصاً في الخرطوم ودارفور ومناطق النزوح واللجوء في السودان وتشاد ومصر. فالمشكلة لا تتوقف عند غياب الزوج، بل تمتد إلى حقوق زوجته وأطفاله، وإلى قدرتهم على مواصلة الحياة في غياب أي يقين بشأن مصيره.

هذا المقال ليس عن الأرملة التي عرفت وفاة زوجها، وبدأت، رغم ألمها، مرحلة جديدة من حياتها. إنه عن امرأة لا تعرف إن كان عليها أن تحزن أم تنتظر، ولا تعرف إن كان البدء من جديد حقاً مشروعاً أم قراراً قد تندم عليه إذا عاد الغائب.

 أولاً : حين يتحول الفقد إلى أزمة قانونية

لم تُصمم القواعد القانونية القائمة بالضرورة للتعامل بسهولة مع حالات الاختفاء الجماعي التي تخلّفها الحروب، حيث يغيب الأشخاص في ظروف يتعذر معها أحياناً التحقق من مصيرهم أو الوصول إلى الأدلة اللازمة لإثبات الوفاة.

ويثير قانون الأحوال الشخصية السوداني لسنة 1991، إلى جانب القواعد والإجراءات الأخرى ذات الصلة، أسئلة مهمة بشأن قدرة الإطار القانوني القائم على الاستجابة لهذه الحالات الاستثنائية، ومدى سهولة وصول النساء إلى العدالة في ظل النزوح وتعطل المؤسسات وصعوبة الحصول على الوثائق.

فالزوجة التي لا تعرف مصير زوجها قد تواجه عقبات في المطالبة بحقوق مالية مرتبطة بغيابه، أو إدارة بعض شؤون الأسرة، أو التصرف في الممتلكات التي تتطلب إجراءات قانونية محددة. وقد تتعقد أيضاً إجراءات تتعلق بالنفقة أو الولاية على الأطفال أو التركة، بحسب ظروف كل حالة والقواعد المنطبقة عليها.

ولا يعني ذلك أن القانون لا يعرف المفقود أو أنه يمنع المرأة من كل إجراء؛ فهناك أحكام قانونية وفقهية تتناول الغياب والفقد، لكن السؤال الحقيقي هو مدى كفاية الإجراءات القائمة وفاعليتها في مواجهة اختفاء أعداد من الأشخاص في ظروف الحرب.

تحتاج المرأة في هذه الحالة إلى مسار واضح تستطيع من خلاله الاستفسار عن مصير زوجها، وتقديم طلباتها إلى الجهات المختصة، والحصول على المساعدة القانونية، والوصول إلى قرار قضائي عادل في وقت معقول.

فليس من المقبول أن تتحول حالة الفقد إلى عقوبة مفتوحة تتحملها الزوجة وأطفالها، بينما تظل الجهات المسؤولة عن البحث والتحقق عاجزة عن تقديم إجابة أو مسار واضح.

لقد أظهرت الحرب أن الاختفاء لا يسلب الإنسان حريته أو حياته المحتملة فحسب، بل قد يضع أسرته أيضاً في فراغ قانوني واجتماعي واقتصادي، يحتاج إلى استجابة مؤسسية عاجلة.

ثانياً : في البيت، صحن ينتظر صاحبه

بعيداً عن نصوص القوانين وإجراءات المحاكم، تبدأ معاناة أخرى داخل البيوت.

تظل صورة الزوج حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. وقد تحتفظ بعض النساء بملابسه وأغراضه، أو يتجنبن تغيير ترتيب المكان الذي كان يجلس فيه، لأن الاعتراف باحتمال عدم عودته يبدو لهن خطوة ثقيلة لا يستطعن اتخاذها.

ويصبح سؤال الأطفال عن أبيهم من أصعب لحظات اليوم. ماذا تقول الأم لطفل يسألها: «أبوي وين يا أمي؟» وهي نفسها لا تعرف الإجابة؟

قد تختار بعض الأمهات القول إن الأب مسافر أو إنه سيعود قريباً، في محاولة لحماية الأطفال من صدمة لا يستطعن استيعابها. لكن الأم تحتاج هي الأخرى إلى من يساندها، وإلى معلومات موثوقة تساعدها على التعامل مع أسئلة أبنائها ومخاوفهم.

ولا تقف المعاناة عند حدود المنزل. فالمرأة التي تضطر إلى العمل لتوفير الطعام والإيجار ومصاريف الدراسة قد تواجه أسئلة المجتمع وأحكامه بشأن غياب زوجها، أو تتعرض للضغط كي تظل في حالة حزن دائمة، وكأن عليها أن تثبت وفاءها من خلال تعليق حياتها إلى أجل غير معلوم.

إذا ضحكت، فقد يفسر البعض ضحكتها على أنها نسيان. وإذا حاولت استعادة حياتها، فقد تواجه اللوم. وإذا واصلت الانتظار، تحملت وحدها أعباء الغياب.

وهكذا تعيش بعض النساء حالة من الحداد غير المحسوم؛ لا يملكن يقيناً يسمح لهن ببدء مرحلة جديدة، ولا يملكن معلومات تكفي لإنهاء الانتظار. إنهن بحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي، وإلى حماية حقوقهن، لا إلى محاكمتهن على الطريقة التي يتعاملن بها مع الفقد.

ثالثاً : المفقود بين الفقه والقانون

يفتح اختفاء الأزواج في الحرب باباً مهماً للنقاش الفقهي والقانوني حول أحكام المفقود، والظروف التي يجوز فيها للقضاء إصدار حكم يتعلق بمصيره أو إنهاء العلاقة الزوجية بسبب الغياب أو الفقد.

وقد تناول الفقه الإسلامي هذه المسائل، واختلفت اجتهادات الفقهاء في بعض أحكامها وشروطها، بما في ذلك المدة والإجراءات والقرائن التي يُستند إليها في الحالات المختلفة. لذلك لا يصح اختزال المسألة في مدة واحدة تُطبق على جميع الحالات، من دون الرجوع إلى الأحكام المعتمدة والقانون المختص وظروف كل واقعة.

لكن ظروف الحرب تفرض أسئلة ملحة: كيف يمكن تطبيق الأحكام القائمة عندما يكون الاختفاء جماعياً، وتتعذر متابعة البلاغات، وتغيب السجلات، ويصعب الوصول إلى أماكن الاحتجاز أو مواقع القبور المحتملة؟ وكيف يمكن ضمان ألا يؤدي التأخر في حسم مصير المفقود إلى إلحاق ضرر مستمر بزوجته وأطفاله؟

إن فتح هذا النقاش لا يعني الاعتراض على الدين، بل يستدعي اجتهاداً مسؤولاً يستند إلى الأصول الشرعية والقانونية، ويراعي رفع الضرر وحفظ الحقوق، من دون التسرع في الحكم بوفاة شخص قد يكون حياً، أو ترك أسرته بلا حماية لسنوات.

ليس من العدل أن تُترك امرأة لمواجهة الجوع والإيجار وتربية الأطفال وحدها، ثم يُطلب منها الانتظار من دون توفير وسيلة فعالة للبحث عن زوجها أو مسار قضائي واضح للنظر في وضعها.

كما أن مراعاة حقوق الزوجة لا تعني إهدار حقوق المفقود نفسه؛ فإذا ظهر لاحقاً، يجب أن تكون هناك قواعد واضحة للتعامل مع الآثار القانونية المترتبة على القرارات السابقة، بما يحمي حقوق جميع الأطراف.

المطلوب هو نقاش جاد بين الفقهاء والقانونيين والجهات العدلية وممثلي النساء المتضررات، للوصول إلى إجراءات عادلة وواقعية تستجيب لخصوصية الاختفاء في زمن الحرب.

رابعاً : نساء يتحملن أعباء أسرتين

ليست النساء المعلقات مجرد ضحايا ينتظرن التعاطف. فكثيرات منهن يواجهن مسؤوليات مضاعفة في غياب الأزواج، ويعملن لتوفير احتياجات الأسرة، ويتولين تربية الأطفال ومتابعة تعليمهم، ويسعين للحصول على المساعدات والخدمات الصحية، في ظروف اقتصادية وأمنية شديدة الصعوبة.

وتجد بعضهن أنفسهن مضطرات إلى التنقل بين المؤسسات بحثاً عن معلومة، أو مراجعة الجهات المعنية بالمفقودين، أو البحث في قوائم المعتقلين والمستشفيات والمقابر، بينما لا تتوافر لهن دائماً معلومات موحدة أو مساعدة قانونية متخصصة.

إن صمود هؤلاء النساء لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتركهن وحدهن. فالقدرة على الاحتمال ليست بديلاً عن الحقوق، وتحمل المسؤولية لا يعفي الدولة والمؤسسات المعنية من واجباتها.

ومن المهم أيضاً ألا يُنظر إلى جميع النساء في هذه الظروف باعتبارهن يعشن تجربة واحدة؛ فاحتياجاتهن تختلف باختلاف أوضاعهن الاقتصادية، وأعمار أطفالهن، ومكان وجودهن، والظروف التي اختفى فيها أزواجهن. ولهذا ينبغي أن تستند الاستجابة إلى احتياجات موثقة، وأن تتيح لكل امرأة الوصول إلى الدعم الذي تحتاج إليه.

إن حماية هذه الأسر ليست مسألة إحسان أو شفقة، بل جزء من حماية المجتمع من الآثار الممتدة للحرب، ومنع انتقال الحرمان والاضطراب النفسي والاجتماعي إلى جيل كامل من الأطفال.

خامساً : المطلوب ليس الشفقة، بل إجراءات تحمي الحقوق

تحتاج قضية المفقودين وأسرهم إلى استجابة قانونية وإنسانية منظمة، تبدأ بالبحث عن الأشخاص المفقودين، ولا تنتهي عند توثيق أسمائهم. ويمكن أن تقوم هذه الاستجابة على ثلاثة مسارات أساسية :

أولاً : تطوير الإطار القانوني الخاص بالمفقودين في الحرب.

ينبغي مراجعة القواعد والإجراءات القائمة، والنظر في الحاجة إلى تشريع خاص أو تعديلات تضمن مساراً قضائياً واضحاً وسريعاً وعادلاً لأسر المفقودين. ويجب أن يميز هذا المسار بين إثبات الوفاة والتفريق القضائي بسبب الغياب أو الفقد، وأن يحدد شروط كل إجراء وآثاره وضماناته، مع مراعاة احتمال ظهور المفقود لاحقاً وحماية حقوق الزوجة والأطفال.

ثانياً : إنشاء سجل وطني موحد للمفقودين.

تحتاج الأسر إلى جهة موثوقة تستطيع تسجيل البلاغات وتحديث المعلومات ومتابعة البحث عن المفقودين. وينبغي أن يجري ذلك بالتعاون مع الجهات المختصة والمنظمات ذات الصلة، بما فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر وفق ولايتها وإمكانات التعاون المتاحة، مع ضمان حماية البيانات الشخصية واحترام خصوصية الأسر.

ولا ينبغي أن تضطر كل زوجة أو أم إلى البحث وحدها في منصات التواصل الاجتماعي، أو التنقل بين قوائم متفرقة وصور غير مؤكدة، من دون جهة تتولى جمع المعلومات والتحقق منها ومتابعة البلاغ.

ثالثاً : توفير الإعالة المؤقتة والمساعدة القانونية.

يجب النظر في آلية دعم مؤقتة للأسر التي يثبت تضررها من اختفاء أحد معيلِيها، وفق معايير واضحة تراعي الحاجة والموارد المتاحة، إلى جانب توفير المساعدة القانونية المجانية للنساء المتضررات. فالغذاء والإيجار والتعليم والعلاج احتياجات يومية لا يمكن تعليقها إلى حين حسم مصير المفقود.

كما ينبغي توفير خدمات للدعم النفسي والاجتماعي، خصوصاً للأطفال الذين يعيشون حالة من عدم اليقين بشأن مصير آبائهم، ومساعدة الأمهات على التعامل مع أسئلتهم ومخاوفهم.

هذه المطالب ليست امتيازات تمنحها الدولة متى شاءت، بل إجراءات ضرورية لحماية الحقوق والحد من الأضرار التي خلفتها الحرب. ولا يمكن أن تتحقق العدالة لأسر المفقودين من دون البحث الجاد عن الحقيقة، وتوفير المعلومات، وضمان الوصول إلى القضاء.

الخاتمة : لا تتركوا النساء رهائن للانتظار

إلى كل امرأة تنتظر خبراً عن زوجها، وإلى كل أم تحاول أن تجيب أطفالها عن سؤال لا تملك له إجابة، وإلى كل أسرة تبحث بين قوائم المفقودين وصور المعتقلين وأخبار المقابر، فإن معاناتكم لا ينبغي أن تبقى شأناً خاصاً أو عبئاً تتحملونه وحدكم.

من حق كل أسرة أن تعرف مصير قريبها، ومن حق الزوجة أن تحصل على معلومات موثوقة ومساعدة قانونية، ومن حق الأطفال أن تحظى حياتهم بالحماية والرعاية، مهما طال غياب الأب.

إن إنهاء حالة التعليق لا يكون بإجبار النساء على النسيان، ولا بمطالبتهن بالانتظار إلى أجل غير معلوم، بل بالبحث عن المفقودين، والتحقق من مصائرهم، وتطوير الإجراءات القانونية، وتوفير الحماية الاقتصادية والاجتماعية لأسرهم.

لقد كشفت الحرب أن فقدان شخص واحد قد يترك أسرة كاملة معلقة بين الأمل والخوف. وما لم تتحرك المؤسسات المعنية لتوفير إجابات وإجراءات عادلة، فستظل هذه الأسر تواجه تبعات الحرب بعد أن يغيب صوت الرصاص عن كثير من المناطق.

المفقودون ليسوا أرقاماً في السجلات، والنساء اللواتي ينتظرنهم لسن مجرد حكايات حزينة. إنهن صاحبات حقوق، وأسرهن تستحق الحقيقة والعدالة والحماية. ولا يجوز أن يصبح الغياب حكماً مؤبداً على حياة من بقوا ينتظرون.